نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٢٩
على ثبوت كونه عالما بالمعلومات سوى التجرد عن المادة و علائقها و ليس ذلك حدا أوسط في برهان أن، و لا في برهان لم.
قال أبو علي بن سينا: البرهان على أن كل مجرد عن المادة فهو عقل بذاته هو بدليل أن كل ماهية مجردة عن المادة فلا مانع لها من حيث ذاتها عن مقارنة ماهية أخرى مجردة فيمكن أن تكون معقولة أي مرتسمة في ماهية أخرى مجردة و ارتسامها هو مقارنتها و لا معنى للعقل إلا أنه مقارنة ماهية مجردة لماهية مجردة و لذلك إذا ارتسمت في القوة العاقلة منا ماهية مجردة كان نفس الارتسام فيها هو نفس شعورها بها و إدراكها لها و ذلك هو العقل و التعقل إذ لو كان يحتاج إلى هيئة و صورة غير الصورة المرتسمة لكان الكلام في تلك الصورة كالكلام في هذه الصورة و يتسلسل، و إذا كان نفس تلك المقارنة هو العقل فيلزم منه أن كل ماهية مجردة فلا مانع لها من ذاتها أن تعقل.
قلت: ما زدت في البيان إلا أنك جعلت المقارنة حدا أوسط و لسنا نشك أنك ما عنيت بهذه المقارنة مقارنة الجسم و لا مقارنة الجوهر العرض و لا مقارنة الصورة المادة بل عنيت به كما فسرت التمثيل و الارتسام و عنيت بالتمثيل و الارتسام التعقل فقد صادرت على المطلوب الأول أقبح المصادرة فكأنك قلت الدليل على كونه عالما أنه لا يمتنع على إنيته و ذاته أن يكون مرتسما بصورة أي عالما فبان أنك أدرجت لفظ المقارنة حتى أخفيت الحال، ثم فسرت المقارنة حتى أبديت الحال زالت المصادرة عنك كل الزوال [١].
و أما استشهادك بالقوة العاقلة منا فإنما ينفعك مع من لا ينازعك في أن العقل هل يعقل بذاته ذاته و إن عقل أ فبعقل غير ذاته أم بعقل هو ذاته أما من نازعك في إثبات كونه عقلا و عاقلا أي علما و عالما فلا ينفعه هذا الاستشهاد.
و أما اقتباس كونه عاقلا من كونه معقولا فهو من أمحل المطلوبات و هو كمن قال لا يمتنع عليه أن يعلم فلا يمتنع عليه أن يعلم و العرض في ذاته ممتنع أن يعقل و يعلم عند القوم فكيف يصح القياس و هب أنه يعلم فلم ينبغي أن يعلم ثم أخذ ما يحب مما لا يمتنع من أبعد القياسات و أمحل المحالات فإن سلمنا لكم كونه تعالى عالما بذاته و علمه بذاته نفس علمه بعلمه فلم قلتم أن علمه بذاته الذي هو نفس العلم فعلمه بمعلوماته هو علمه بذاته ما هو مبدأ، و هو مبدأ كل موجود، أ فيتعلق علمه بذاته ثم
[١] انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٧٧)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٢١، ١٤٨)، و معارج القدس للغزالي (ص ١٦٦)، و المواقف (٢/ ٥٣).