نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨
الوجود كما تقول تحركت يدي فتحرك المفتاح في كمي و لا يمكنك أن نقول تحرك المفتاح في كمي فتحركت يدي و إن كانت الحركتان معا في الوجود.
و الجواب: قلنا: وجود الشيء بإيجاد موجده صواب من حيث اللفظ و المعنى بخلاف وجوب الشيء بإيجاب الموجب و ذلك أن الممكن معناه أنه جائز وجوده و جائز عدمه لا جائز وجوبه و جائز امتناعه، و إنما استفاد من المرجح وجوده لا وجوبه نعم لو وجد عرض له الوجوب عند ملاحظة السبب، لأن السبب أفاده الوجوب حتى يقال: وجب بإيجابه ثم عرض له الوجوب بل أفاده الوجود فصح أن يقال: وجد بإيجاده و عرض له الوجوب فانتسب إليه وجوده إذ كان ممكن الوجود لا ممكن الوجوب، و هذه دقيقة لطيفة لا بدّ من مراعاتها و الذي نثبته أن الواجب و الممتنع طرفان و الممكن واسطة إذ ليس بواجب و لا ممتنع فهو جائز الوجود و جائز العدم و الوجود و العدم متقابلان لا واسطة بينهما، و الذي يستند إلى الموجد من وجهين الوجود و العدم في الممكن وجوده فقط حتى يصح أن يقال أوجده أي أعطاه الوجود ثم لزمه الوجوب لزوم العرضيات، فالأمر اللازم العرضي لا يستند إلى الموجد، فأنتم إذا قلتم وجب وجوده بإيجابه فقد أخذتم العرضي و نحن إذا قلنا وجد بإيجاده فقد أخذنا عين المستفاد الذاتي فاستقام كلامنا لفظا و معنى و انحرف كلامكم عن سنن الجادة [١]، و لربما نقول: إن الممكن إذا وجد في وقت معين أو على شكل مخصوص يجب وجوده على ذلك الوجه لأن الموجد إذا علم حصوله في ذلك الوقت على ذلك الشكل و أراد ذلك، فهو واجب الوقوع لأن خلاف المعلوم مستحيل الوقوع و الحصول، و إذا كان ممكن الجنس جائز الذات لكن لم يكن وجوب ذلك إلا بإيجاب العلم و الإرادة، فإذا تحقق أن الوجود هو المستفاد في الحوادث لا الوجوب بطل الإيجاب الذاتي الذي يحتجون به حين بنوا عليه مقارنة وجود العالم بوجود الباري تعالى و لم يبق لهم إلا التمثيل بمثال، و ذلك من سخف المقال لأن الخصم ربما لا يسلم أن حركة اليد سبب حركة الكم و المفتاح، و لا يقول بالتولد يبقى مجرد فاء التعقيب و التسبيب لفظا في قوله تحركت يدي فتحرك المفتاح، و هذا كما أن المادة عند الخصم سبب ما لوجود الصورة حتى يصح أن يقال: لو لا المادة لما وجدت الصورة و هما معا في الوجود، و ليس في وجود الصورة بإيجاد المادة بل بإيجاب واهب الصور ثم إن سلم ذلك فيجوز أن يسبق السبب المسبب ذاتا و يقارنه زمانا، فيكون زمان وجودهما
[١] انظر: الجواب الصحيح لابن تيمية (٣/ ٢٩٢).