نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨٥
النفاة لا يمكنكم أن تتكلموا بكلمة واحدة إلا و إن تدرجوا فيها عموما و خصوصا أ لستم تنفون الحال و لم تعينوا حالا بعينها هي صفة مخصوصة مشار إليها بل أطلقتم القول و عممتم النفي و أقمتم الدليل على جنس شمل أنواعا أو على نوع عمّ أشخاصا حتى استمر دليلكم و من نفى الحال لا يمكنه إثبات التماثل في المتماثلات إجراء حكم واحد فيها جميعا فلو كانت الأشياء تتمايز بذواتها المعينة بطل التماثل و بطل الاختلاف و ذلك خروج عن قضايا العقول [١].
و أما قولكم: الوجود لو كان واحدا متشابها في جميع الموجودات لزم حصول شيء في شيئين أو شيئين في شيء.
فنقول: يلزمكم في الاعتبارات و الوجوه العقلية ما لزمنا في الوجود و الحال فإن الوجه كالحال و الحال كالوجه و لا ينكر منكر أن الوجود يعم الجوهر و العرض لا لفظا مجردا بل معنى معقولا و من قال كل موجود إنما تمايز موجودا آخر بوجوده لم يمكنه أن يجري حكم موجود في موجود آخر حتى أن من أثبت الحدوث لجوهر معين لم يتيسر له إثبات الحدوث لجوهر آخر بذلك الدليل بعينه بل لزمه أن يفهم على كل جوهر دليلا خاصا و على كل عرض دليلا خاصا و لا يمكنه أن يقسم تقسيما في المعقولات أصلا لأن التقسيم إنما يتحقق بعد الاشتراك في شيء و الاشتراك إنما يتصور بعد الاختصاص بشيء و من قال هذا جسم مؤلف فقد حكم على جسم معين بالتأليف لم يلزمه جريان هذا الحكم في كل جسم ما لم يقل كل جسم مؤلف لو اقتصر على هذا أيضا لم يفض إلى العلم بأن كل جسم محدث فأخذ الجسمية عامة و التأليف عاما و استدعاء التأليف للحدوث عاما حتى لزمه الحكم بحدوث كل جسم مؤلف عاما فمن قال الأشياء تتمايز بذواتها المعينة كيف يمكنه أن يجري حكما في محكوم خاص فألزمتمونا قلب الأجناس و ألزمناكم رفع الأجناس و دعوتمونا إلى المحسوس و دعوناكم إلى المعقول و أفحمتمونا بإثبات واحد في اثنين و اثنين في واحد و أفحمناكم بنفي الواحد في الاثنين و الدليل متعارض و الدّست قائم فمن الحاكم [٢].
قال الحاكم المشرف على نهاية أقدام الفريقين أنتم معاشر النفاة أخطأتم من
[١] انظر: المواقف للإيجي (٢/ ٢٢٦، ٦١٥، ٦٢٦، ٦٦٦)، و الإشارات و التنبيهات لابن سينا (ص ١٨٩).
[٢] انظر: المواقف (٣/ ٦٠، ٦٢)، و قال الإيجي الدست: فارسيّ معرب، بمعنى اليد، يطلق على التمكن في المناصب و الصدارة، و قال ابن منظور في اللسان (١/ ٧١٧)، و الدست معرب فقيل الدست الصحراء، و هو بعيد.