نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٦٠
إِلَّا بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٣]، فبطرف يقبل الوحي و بطرف يؤدي الرسالة و الوحي هو إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فكل صورة علمية يقبلها بطرفه الروحانية عن الملائكة الذين هم رسل ربهم إليه دفعة واحدة كوقوع الصورة في المرآة فهو وحي و أقرب مثال له إلينا المنام الصادق فإن الرائي يرى كأنه نزل بستانا و اجتنى ثمارا و خاض في الماء و تحدث أحاديث كثيرة من سؤال و جواب و أمر و نهي بحيث لو أملاها ملأت أوراقا و شحنت صفائح صحائف و كل ذلك في غفوة كأنها لحظة و ما ذاك إلا لأن الصور و الفعلية القولية إذا كانت من عالم المعاني بواسطة تلك المنام لم يستدع زمانا و لا ترتيبا بحيث يستدعيها حال اليقظة بل وقعت دفعة واحدة في نفس الرائي حتى انتقشت فيه ثم عبر عنه بعبارات كثيرة و عبر المعبر عن صورها الخيالية إلى معانيها العقلية و لذلك صارت الرؤيا الصادقة جزءا من أجزاء النبوة كما صارت التؤدة و الأناة و حسن السمت جزءا من أجزاء النبوة فالنبوة إذا جملة ذات أجزاء و تلك الجملة بمجموعها لا تتحقق إلا لمن اصطفاه اللّه تعالى لرسالته و بعض أجزائها قد ثبت للصالحين من عباده فيبلغون إلى ذلك الجزء بطاعتهم و عبادتهم كما قال صلى اللّه عليه و سلم:
«أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» أما مجموعها من حيث المجموع فلا يصل إليه أحد بكسبه و استطاعته.
و أما نزول كلام الباري تعالى فمعنى نزول الملك به فليس يستدعي النزول انتقالا فإنك تقول نزلت عن كلامي و نزل الأمير عن حقه و قد ورد إلى الخبر نزول الرب تعالى إلى السماء الدنيا و ورد في القرآن مجيئه و إتيانه و ذلك لا يستدعي انتقالا كما حقق في التأويلات ثم الكلام الذي هو أمره الأزلي لا يطلق عليه النزول إلا بمعنى نزول الآيات الدالة عليه ثم الإلزام على الخصم إنما يظهر إذا أثبتنا له أمرا و نهيا و إثبات الأمر إنما يظهر إذا توافقنا على أنه تعالى ملكا و مالكا و له أن يتصرف في ملكه بالأمر و النهي و التكليف على من ثبت له اختيار و إذا حصل وفاقنا على هذه المراتب و علمنا أن كل واحد من آحاد الناس لا يتأهل لقبول أمر اللّه تعالى و حيا له تعين بالضرورة واحدا اصطفاه من عباده وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص: ٦٨]، فدعواه نفسها من الجائزات العقلية و إذا كانت الدعوى مقرونة بدليل الصدق وجب التصديق و وجب أن لا يتراخى دليل الصدق عن نفس الخبر فإن المخاطب مكلف بالتصديق في الحال و لا يتراخى الوجوب عليه إلا أن يعرف الصدق بل التمكن كاف كما بينا و لكن التمكن إنما تحقق من جانب المكلف