نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٣
فالعبارة و الإشارة و الكتابة دلالة بقرائنها تدل على أن لها مدلولا خاصا متميزا عن العلم و الإرادة و لكل عبارة خاصة مدلول خاص متميز عن سائر المدلولات و هذا أوضح ما تقرر فإن دلالات العبارات على النطق دلالة المواضعة و التوقيف و يختلف بالأمم و الأمصار و دلالة الإحكام على العلم دلالة العقل فلا يختلف ذلك بالأمم و الأمصار و مدلول العبارات مع اختلافها مدلول واحد فإن المعنى الذي يفهم من قولك اللّه هو بعينه المعنى الذي يفهم من خذ أي و تنكري و سرنا و ند إلى غير ذلك من الألفاظ فعلم من ذلك أن الكلام الذي في نفس الإنسان قول محقق و نطق موجود هو أخص وصف لنفس الإنسان حتى تميز به عن سائر الحيوانات و من أنكره فقد خرج عن حد الإنسانية و دخل في حريم البهيمية، و كفر أخص نعم اللّه تعالى على نوع الإنسان.
قالت المعتزلة: نحن لا ننكر الخواطر التي تطرأ على قلب الإنسان و ربما نسميها أحاديث النفس إما مجازا و إما حقيقة غير أنها تقديرات للعبارات التي في اللسان ألا ترى أن من لا يعرف كلمة بالعربية لا يخطر بباله كلام العرب و من لا يعرف العجمية لا يطرأ عليه كلام العجم و من عرف اللسانين تارة تحدث نفسه بلسان العرب و تارة بلسان العجم فعلم على الحقيقة أنها تقديرات و أحاديث تابعة للعبارات التي تعلمها الإنسان في أول نشوئه و العبارات هي أصول لها منها تصدر و عليها ترد حتى لو قدرنا إنسانا خاليا عن العبارات كلها أبكم لا يقدر على نطق لم نشك أن نفسه لا تحدثه بعربية و لا عجمية و لا لسان من الألسن و عقله يعقل كل معقول و إن كان يعرى عن كل مسموع و منقول فعلم أن الكلام الحقيقي هو الحروف المنظومة التي في اللسان و المتعارف من أهل اللغة و العقلاء أن الذي في اللسان هو الكلام و من قدر عليه فهو المتكلم و من لم يقدر عليه فهو الأعجم الأبكم فعلم من ذلك أن الكلام ليس جنسا و نوعا و في نفسه ذا حقيقة عقلية كسائر المعاني بل هو مختلف بالمواضعة و الاصطلاح و التواطؤ حتى لو تواطأ قوم على نقرات و إشارات و رمزات لحصل التفاهم بها كما حصل التفاهم بالعبارات.
و من الدليل على ذلك أن اللّه تعالى سمى تغريد الطير و أصوات الحكل و دبيب النمل كلاما و قولا حتى قال سليمان بن داود عليهما السلام عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل: ١٦]، قالَتْ نَمْلَةٌ [النمل: ١٨]، و قال الهدهد: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل: ٢٢] و مثل ذلك يجري مجازا في الجمادات أيضا: قالَتا أَتَيْنا