نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٠
نسبة إيجاب إلى موجب فتتكثر النسب الإضافية و لا تتكثر بها الذات و هذا كما يقدرونه في العقل الفعال الذي هو واهب الصور على العالم الجسماني فإنه ما من صورة تحدث في العالم إلا و هي من فيضه و سنخه [١]، ثم تختلف الصور باختلاف الأنواع و الأصناف إلى ما لا يتناهى و لا تختلف الصفات في الفائض بل هو نعت واحد و الصور تختلف و تتكثر بحسب القوابل و الحوامل و لو اختلفت النسب فإنما هي إضافات لا صفات حقيقية كذلك يجب أن يقال في واجب الوجود بذاته أنه ينسب إليه الكل نسبة واحدة من حيث وجودها الممكن ثم الاختلاف يحصل في القوابل أو تكون الإضافات و السلوب كثيرة و تتعدد الموجبات بحسب تلك و لا يوجب ذلك كثرة في الذات كما قالوا في المعلول الأول.
و نقول: كون العقل الأول عقلا أمر سلبي لأن معنى كونه عقلا أنه مجرد عن المادة و التجريد عن المادة سلب المادة و نفيها و النفي كيف يناسب وجود جوهر عقلي و هو عقل كيف و السلوب كثيرة فهلا أوجب بكل سلب جوهرا عقليا فإنه كما يسلب عنه المادة يسلب عنه الصورة، أعني الصورة الجسمية و يسلب عنه الكيفية و الكمية و الوضع و الحيز و المكان و الزمان و لم يجب أن يقال يلزمه عنه بكل سلب جوهر عقلي و مثل هذه السلوب تتحقق في حق واجب الوجود أيضا و لا يوجب كل سلب جوهرا عقليا و إن سلم ذلك حصل غرضنا من إضافة الكل إليه [٢].
ثم نقول: لم صار كونه واجب الوجود بغيره أولى بإيجاب نفس من كونه مجردا عن المادة و لو عكس الأمر فجعل ما ذكرتموه بالغير موجبا للعقل، و ما ذكرتموه من التجرد عن المادة موجبا للنفس أي محال كان يلزم منه و أي خلل كان يحصل، و هل هذا إلا تحكم بارد بني على تقليد أو تقليد استند إلى تحكم.
و نقول: عددتم اعتبارات أربعة و قضيتم بوحدة العقل في ذاته و قلتم إن الوحدة توجب نفسا أو جسما فبينوا ما هو المستفاد من الباري تعالى و ما هو له من ذاته فإن الذي له من ذاته ليس إلا إمكان الوجود بقيت اعتبارات ثلاثة و إن كانت مستفادة من الأول استدعت ثلاثة مقتضيات و واجب الوجود واحد من كل وجه و إن كانت له لذاته أي من لوازم ذاته فقد بطل قولكم إن الذي له من ذاته هو الإمكان فقط ثم
[١] يعني من كرمه اللسان (١٣/ ٤٧٩).
[٢] انظر: شفاء العليل لابن قيم (١/ ١٤١)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٢٤)، و المواقف للإيجي (٢/ ١٧٣)، و نعمة الذريعة في نصرة الشريعة للقسطنطيني (ص ١٥٩).