نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٦
القاعدة الثالثة في التوحيد [١]
و فيها الرد على الثنوية و تستدعي هذه المسألة سبق ذكر الوحدانية و معنى الواحد.
قال أصحابنا: الواحد هو الشيء الذي لا يصح انقسامه إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجه و لا تقبل الشركة بوجه فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسم له و واحد في صفاته لا شبيه له و واحد في أفعاله لا شريك له و قد أقمنا الدلالة على انفراده بأفعاله فلنقم الدلالة على انفراده بذاته و صفاته.
و قالت الفلاسفة: واجب الوجود بذاته لا يجوز أن يكون أجزاء كمية و لا أجزاء حد قولا و لا أجزاء ذات فعلا و وجودا و واجب الوجود لن يتصور إلا واحدا من كل وجه، فلا يتصور و لا يتحقق موجودان كل واحد منهما واجب بذاته، و عن هذا نفوا الصفات و إن أطلقوها عليه فبمعنى آخر كما سنذكره.
و وافقهم المعتزلة على ذلك غير أنهم مختلفون في التفصيل و سنفرد لإثبات الصفات مسألة و نذكر المذهبين فيها و هذه المسألة مقصورة على استحالة وجود الإلهين يثبت لكل واحد منهما من خصائص الإلهية ما يثبت للثاني و لست أعرف صاحب مقالة صار إلى هذا المذهب لأن الثنوية و إن صارت إلى إثبات قديمين لم تثبت لأحدهما ما ثبت للثاني من كل وجه و الفلاسفة، و إن قضوا بكون العقل و النفس أزليين و قضوا بكون الحركات سرمدية لم يثبتوا للمعلول خصائص العلة كيف و أحدهما علة و الثاني معلول و الصابئة و إن أثبتوا كون الروحانيين و الهياكل أزلية سرمدية مدبرة لهذا العالم و سموها أربابا و آلهة فلم يثبتوا فيها خصائص رب الأرباب و دلالة التمانع في القرآن مسرودة على من يثبت خالقا من دون اللّه سبحانه و تعالى قال اللّه تعالى: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [المؤمنون: ٩١] و عن هذا صار أبو الحسن رحمه اللّه إلى أن أخص وصف الإله هو القدرة على الاختراع فلا يشاركه فيه غيره و من أثبت فيه شركة فقد أثبت إلهين.
[١] انظر: المقصد الأسنى للغزالي (ص ١٣٣)، و تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٤٦٥، ٤٦٦، ٤٦٩)، و المواقف للإيجي (٢/ ٢٣١)، و معنى لا إله إلا اللّه للزركشي (ص ٩٠).