نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٤
و هو الأمر كان ذلك أيضا له وجه فإن النهي أمر بأن لا تفعل فرجع أقسام الكلام كلها إلى خبر و أمر، ثم كما أمكن رد أقسام الكلام إلى قسمين من غير نقصان في حقيقة الكلام كذلك أمكن رد القسمين إلى قسم واحد حتى يكون كلامه على ما قررناه واحدا و قد ورد التنزيل بتسميته أمرا بحيث يتضمن جميع الأقسام في قوله تعالى:
وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [القمر: ٥٠]، و في قوله: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]، فالخلق و الأمر يتقابلان كالفعل و القول و عن هذا أمكن الاستدلال بهذه الآية حتى يقال: إن أمر الباري غير مخلوق، فإنه لو كان مخلوقا لكان تقدير قوله:
أَلا لَهُ الْخَلْقُ [الأعراف: ٥٤]، و هذا من فاسد الكلام و قد ورد أيضا في القرآن ما يدل على أن الأمر سابق على الخلق و ذلك السبق لن يتصور إلا أن يكون أزليا و ذلك قوله سبحانه: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠]، و المتكون متأخر و الأمر متقدم و التقدم على الحادث المطلق لا يكون إلا بالأزلية فتحقق من هذه الجملة أن كلامه تعالى واحد إن سميته أمرا فهو خلاف الخلق و مقابله و إن سميته خبرا فهو وفق العلم سواء و إنه إذا تعلق بالمأمور فيكون تعلقه مشروطا بشرائط، كما كان تعلق سائر الصفات مشروطا بشرائط و قد عرفت الفرق بين تعلق الصلاحية و الصحة و بين تعلق الفعل و الحقيقة و اندفع الإلزام بهذا الفرق.
و قولهم: إن الاختلاف و الكثرة في الأخبار و الأوامر لا يرجع إلى العبارات فقط إذ العبارات لا بدّ و أن تطابق المعنى صحيح لكن تلك المعاني المختلفة كالمعلومات المختلفة التي يحيط بها علم واحد و إن تلك المعلومات المختلفة إن فرضت في الشاهد استدعت علوما مختلفة و إن شملها اسم العلمية كذلك الأخبار المختلفة و الأوامر المختلفة و إن استدعت في الشاهد كلمات و معاني مختلفة فقد أحاط بها معنى واحد هو القول الحق الأزلي و اختلاف الزمان بالماضي و المستقبل و الحاضر لا يؤثر في نفس القول ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ [ق: ٢٩] كاختلاف الحال في المعلومات التي وجدت و ستوجد لا يؤثر في نفس العلم و هذا المعنى عسير الإدراك جدا لتكرر عهدنا بخلاف ذلك في الشاهد و لو لاحظنا جانب العقل و إدراكه المعقول و جردناه عن المواد الجسمانية و الأمثلة الخيالية و صادفنا إدراكا كليا عقليا لا يختلف باختلاف الأزمنة و لا يتغير بتغاير الحوادث، و كذا لو استيقظنا من نوم يقظتنا هذه بمنام و طلعت نفوسنا على مشرق المعاني و الحقائق رأت عالما من المعقولات و أشخاصا من الروحانيات تحدثه بأخبار و تكلمه بأحاديث، لو عبر المعبر عنها بعبارات لسانه لما وسعه يوم واحد لشرحها و بيانها، و لو كتبها بقلمه لم تسعه