نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٥
تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٦٧]، و لهذا لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع، و إنما ورد بمعرفة التوحيد و نفي الشريك: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه» [١] و لهذا جعل محل النزاع بين الرسل و بين الخلق في التوحيد ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [غافر: ١٢] الآية، وَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ [الزمر: ٤٥]، وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [الإسراء: ٤٦].
و قد سلك المتكلمون طريقين في إثبات الصانع تعالى و هو الاستدلال بالحوادث على محدث صانع، و سلك الأوائل طريقا آخر و هو الاستدلال بإمكان الممكنات على مرجح لأحد طرفي الإمكان و يدعي كل واحد في جهة الاستدلال ضرورة و بديهة.
و أنا أقول ما شهد به الحدوث أو دل عليه الإمكان بعد تقديم المقدمات دون ما شهدت به الفطرة الإنسانية من احتياج في ذاته إلى مدبر هو منتهى الحاجات، فيرغب إليه و لا يرغب عنه و يستغنى به و لا يستغنى عنه و يتوجه إليه و لا يعرض عنه و يفزع إليه في الشدائد و المهمات فإن احتياج نفسه أوضح له من احتياج الممكن الخارج إلى الواجب و الحادث إلى المحدث و عن هذا كانت تعريفاته الخلق سبحانه في هذا التنزيل على هذا المنهاج أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [النمل: ٦٢]، مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ [الأنعام: ٦٣]، وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ [النمل: ٦٤]، أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [النمل: ٦٤]، و عن هذا قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «خلق اللّه تعالى الخلق على معرفته فاحتالهم الشيطان عنها» [٢] فتلك المعرفة هي ضرورة الاحتياج و ذلك الاحتيال من الشياطين هو تسويله الاستغناء و نفي الاحتياج
[١] حديث صحيح: رواه البخاري (١/ ١٥٣) (٢/ ٢٠٧) (٣/ ١٠٧٧) (٦/ ٢٦٥٧)، و مسلم (١/ ٥١، ٥٣) (٤/ ١٨٧١)، و أبو داود (٢/ ٩٣) (٣/ ٤٤، ٢٠٨)، و الترمذي (٥/ ٣، ٤٣٩)، و الدارمي (٢/ ٢٨٧)، و النسائي (٦/ ٤، ٧) (٧/ ٧٦، ٧٨)، و أحمد في المسند (١/ ١١، ١٩، ٣٥، ٤٧) (٢/ ٣١٤، ٣٤٥)، و الشافعي في مسنده (١/ ١٦٩، ٢٠٨).
[٢] أورده ابن القيم في شفاء العليل (ص ١٧٣، ٢٦١).