نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٧٨
التحلي بها و الثبات فيها و الإقبال عليها ينال الشرف و الكرامة قال اللّه تعالى: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [الأنفال: ٢٩]، و ليت شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان بين الحق و الباطل و سبيل النجاة و الهلاك و في الخبر «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا و بصرا و يدا و مؤيدا» و أي كرامة أجل من حصول المحبة بثمراتها المذكورة و في الخبر لو عرفتم اللّه حق معرفته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل و لو عرفتم اللّه حق معرفته لزالت الجبال بدعائكم و ما أوتي أحد من اليقين إلا و ما لم يؤت منه أكثر مما أوتي.
قيل بلغنا أن عيسى عليه السلام كان يمشي على الماء قال صلى اللّه عليه و سلم: «لو ازداد يقينا لمشى على الهواء».
و مما يتصل بهذا الموضع الكلام في النسخ و إن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها و هي أتمها و أكملها و أن محمد المصطفى صلى اللّه عليه و سلم خاتم الأنبياء و به نختم الكتاب.
قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته و قال بعضهم النسخ تبيين انتهاء مدة الحكم و كأنه تخصيص بزمان و هو بظاهره كان شاملا لكل زمان و بالنسخ يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها و قالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد توجهه على العباد و ذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البداء و الندم على ما قال و لو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم منعه من ذلك أما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول و هاتان القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض و لا في السماء و من له الملك و التصرف في عباده بما يشاء.
يقال لهم المستحيل على نوعين مستحيل لعينه كاجتماع السواد و البياض في محل واحد في حالة واحدة و لا شك أن رفع التكليف و حكم التكليف بعد ثبوته ليس من ذلك القبيل و مستحيل لما يفضي إلى المحال كخلاف المعلوم و لا محال هاهنا يفضي إليه النسخ إلا البداء و الندم و البداء يطلق على معنيين أحدهما الظهور يقال بدا له الشيء إذا ظهر وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر: ٤٧]، و هذا لا يجوز على اللّه تعالى فإن المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده و النسخ لا يؤدي إلى ذلك لأنه كان عالما بذلك التكليف عند توجهه على العبد و كان عالما برفعه عند النسخ فلم يظهر له أمر متجدد لم يعلمه و لا رفع الحكم لأنه ظهر له شيء آخر.