نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٨
يشهد عليه و الأفعال التي شاهدناها دلت عليه من جهة جوازها و إمكانها في ذاتها و الجواز قضية واحدة تدل على الصانع من حيث إنها ترددت بين الوجود و العدم فلما ترجح جانب الوجود اضطررنا إلى إثبات مرجح و ليس في نفس الجواز و ترجحه ما يدل على مرجحين كل واحد منهما يستقل بالترجيح فإنه لو لم يستقل بالترجيح لم يكن إلها و إنما ترجح جانب الوجود لأنه أراد التخصيص بالوجود و كما أراد علم أنه هو المرجح، فلو قدرنا مرجحا آخر و شاركه في الترجيح بطل الاستقلال، و لم يكن علمه و إرادته و قدرته أيضا بأن يكون هو المرجح و إن لم يشاركه في الترجيح و كان متعطلا لم يكن علمه و إرادته و قدرته أيضا بأن يكون هو المرجح بل يكون علمه متعلقا بترجيح غيره و إرادته كذلك، و إذا تعلق علمه بأن يكون غيره هو المرجح كان محالا أن يكون هو المرجح فإن خلاف المعلوم محال الوقوع و كذلك إرادته تكون تمنيا و تشهيا من غيره حتى تخصص لا قصدا و ترجيحا و تخصيصا من ذاته فقد تطرق النقص إلى كل صفة من صفاته بل كان مفتقرا في جميع ذلك إلى غيره و الفقر ينافي الإلهية و هذه الطريقة تعضد بيان طريقة الاستغناء و هي أحسن ما ذكر في هذه المسألة [١].
سؤال على دليل التمانع في فعلين مختلفين:
فإن قيل الاختلاف الذي قدرتموه في إرادة التحريك من أحدهما و إرادة التسكين من الآخر غير متصور فإن الإرادة تتبع العلم و العلم يتبع المعلوم فإذا كان المعلوم هو الحركة فمن ضرورته أن يكون المراد هو الحركة و تقدير الاختلاف في العلم غير متصور فتقدير الاختلاف في الإرادة أيضا غير متصور، و مبنى دلالة التمانع على تحقيق الاختلاف أو تقديره و ذلك غير جائز فبطل التمسك بها [٢].
قال الأصحاب: الحركة و السكون من جملة الجائزات جبلة إذ ليس في وجود كل واحد منهما استحالة، و إذا كانت القدرة صالحة و تقدير الاختلاف في الإرادة متصور عقلا فنحن نجعل المقدر كالمحقق و إن ما يلزم من التحقيق يلزم من التقدير
[١] انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ١٥٤، ٢٧٣)، و فضائح الباطنية للغزالي (ص ١٥١)، و الفصل في الملل و النحل لابن حزم (١/ ٤٨) (٣/ ١٢٤)، و المواقف للإيجي (٣/ ٦٠، ٦٤)، و لمع الأدلة للجويني (ص ٩٨)، و الغنية في أصول الدين للنيسابوري (ص ٦٧، ٦٨)، و مرهم العلل لليافعي (ص ٥٧)، و رسالة الأشعري إلى أهل الثغر (ص ١٥٦).
[٢] انظر: شفاء العليل (ص ١٥٠)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ٢٠٧)، و المواقف (٢/ ١١٧، ١١٩)، و الغنية في أصول الدين لأبي سعيد النيسابوري (ص ٦٩)، و التمهيد للباقلاني (ص ٧٠)، و رسالة الأشعري إلى أهل الثغر (ص ١٥٦).