نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٣٧
و أما المعتزلة و القدرية: فأثبتوا للقدرة الحادثة تأثيرا في الإيجاد و الأحداث من الحركات و السكنات و بعض الاعتقادات و الاعتمادات و النظر و الاستدلال من نفسه أنها تتوقف على البواعث و الدواعي و ورود التكليف بمباشرتها و الكفّ عنها.
و وافقنا الفلاسفة على أن جسما ما أو قوة في جسم لا يصلح أن يكون مبدعا لجسم.
و وافقنا المجوس على أن الظّلمة لا يجوز أن تحدث بإحداث النور.
و وافقنا المعتزلة على أن القدرة الحادثة لا تصلح لإحداث الأجسام و الألوان و الطعوم و الروائح و بعض الإدراكات و الحياة و الموت و لهم اختلاف مذهب في المتولدات و إنما أوردنا هذه المسألة عقيب حدث العالم لأن الدليل لما قام على أن الممكن بذاته من حيث إمكانه استند إلى الموجد و أن الإيجاد عبارة عن إفادة الوجود فكل موجود ممكن مستند إلى إيجاد الباري سبحانه من حيث وجوده، و الوسائط معدات لا موجبات و هذا هو مدار المسألة [١].
و لنا في هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى قواعدهم و مع المجوس على موجب أصلهم باعتبار أنه موجود، و مع المعتزلة على موجب عقائدهم.
أما الكلام على الفلاسفة فنقول كل موجود بغيره ممكن باعتبار ذاته لو جاز أنه يوجد شيئا فأما أن يوجده باعتبار أنه موجود بغيره أو باعتبار أنه ممكن بذاته أو باعتبارهما جميعا لكن لا يجوز أن يوجد باعتبار أنه موجود بغيره إلا بشركة من ذاته إذ لا تعزب ذاته عن ذاته و لا يخرج وجوده عن حقيقته و هو باعتبار ذاته ممكن الوجود و الإمكان طبيعته طبيعة عدمية فلو أثر في الوجود لأثر بشركة العدم و هو محال.
و هذا البرهان إنما نقلناه عن قولهم في الجسم إنه لا يؤثر في الجسم إيجادا و إبداعا؛ إذ الجسم مركب من مادة و صورة فلو أثر لأثر بشركة من المادة و المادة لها طبيعة عدمية، فلا يجوز أن توجد شيئا فالجسم لا يجوز أن يوجد أيضا فإمكان الوجود كالمادة و نفس الوجود كالصورة، كما أن الجسم لا يؤثر من حيث صورته إلا بشركة من المادة كذلك الموجود بغيره الممكن باعتبار ذاته لا يؤثر من حيث وجوده إلا بشركة من إمكان الوجود فلا موجد على الحقيقة إلا بوجود واجب بذاته من كل وجه لا يشوبه إمكان و لا
[١] انظر: شفاء العليل لابن قيم (ص ١٢٢، ١٢٣)، و غاية المرام للآمدي (ص ٢٠٧، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٢)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ٨٧، ٩٧)، و منهاج السنة لابن تيمية (٣/ ٢٠٩)، المواقف للإيجي (٢/ ١١٤، ١١٦، ١١٩، ١٢٥، ١٢٩)، و الغنية في أصول الدين (ص ١١٩، ١٢٤).