نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٧
قيل هذا ما يخالف الظاهر من كل وجه و مع مخالفته لا يجوز أن يسأل النبي سؤالا محالا لقومه و قرينة المقال تدل على أن السؤال كان مقصورا عليه من كل وجه إذ قال وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] إلى آخر الآية و منع موسى لا ينتهض إلزاما على القوم بل تقرير الحجة القاطعة على أن اللّه تعالى لا يجوز أن يكون مرئيا يكون إلزاما فكيف نجا موسى على من السؤال بلن تراني و لكن انظر إلى الجبل و لم ينج قومه من السؤال في قولهم:
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]، إلا بالصاعقة المهلكة و العذاب و الأليم، و لما قال قومه: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، لم يلزمهم بالسؤال عن اللّه تعالى بل أجابهم في الحال: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: ١٣٨]، إذ كان السؤال محالا، فكذلك الرؤية لو كانت مستحيلة لأجابهم في الحال و رفع شبههم بالمقال و مثل هذه الحالة لو قدرت المعتزلة ما استجازوا تأخير البيان عن وقت الحاجة و لعدوا سؤال المسئول من مسئول آخر اتهاما آخر على شبهة قد تحققت لهم.
و مما تمسك به قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ٢٢ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة:
٢٢، ٢٣]، و النظر إذا تعرى عن الصلات كان بمعنى الانتظار و إذا وصل بلام كان بمعنى الإنعام و إذا وصل بفي كان بمعنى التفكر و الاستدلال و إذا وصل بإلى تعين للرؤية و لا يجوز حمله على الثواب فإن نفس رؤية الثواب لا يكون إنعاما و قد أورد النظر في معرض الإنعام و اللفظ نص في رؤية البصر بعد ما نفيت عنه التأويلات الفاسدة.
و اعلم أن هذه المسألة سمعية، أما وجوب الرؤية فلا شك في كونها سمعية، و أما جواز الرؤية فالمسلك العقلي ما ذكرناه، و قد وردت عليه تلك الإشكالات و لم تسكن النفس في جوابها كل السكون و لا تحركت الأفكار العقلية إلى التقصي عنها كل الحركة، فالأولى بنا أن نجعل الجواز أيضا مسألة سمعية، و أقوى الأدلة السمعية فيها قصة موسى عليه السلام مما يعتمد كل الاعتماد عليه.