نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤٣
مزاولة فعل و قول من جهة المدعي بحيث يتبين للناظر أن ذلك ليس فعلا للّه تعالى أنشأه في الحال تصديقا لدعوته بخلاف المعجزة، فإن كل عاقل يعلم بالضرورة أن عظاما رفاتا رماما تجتمع فتحيا شخصا و تتشخص حيا من غير معالجة من جهة المتحدي و لا مزاولة أمر عنه لا يكون ذلك إلا فعلا و صنعا من اللّه تعالى يظهر منه قصده إلى تصديق رسوله فإنا قد ذكرنا أن الفعل بتخصيصه ببعض الجائزات يدل على إرادة الفاعل، فإذا فعله عقيب دعوته مقترنا بدعواه و هو صادق في نفسه دل على قصده إلى تصديقه و تخصيصه لرسالته، و لو قدر ظهور مثل تلك المعجزة على يد كاذب لم يجز أن تقترن بدعواه النبوة، بل يصرف عنه داعيه الدعوى ضرورة حتى لا ينقلب الدليل شبهة و لا ينحسم الطريق على قدرة اللّه تعالى في إظهار التصديق بالآيات و كما إذا اختص الفعل بوقت و قدر و شكل دل على إرادة مخصصة بذلك الوقت و القدر و الشكل، و لن يقدر وقوعه اتفاقا، كذلك إذا اختص الفعل بوقت تحدي المتحدي دل ذلك على أنه إنما أراد تخصيصه بالصدق، و كما لم يختلف وجه الدليل العقلي على أصل الإرادة بأصل التخصيص لم يختلف وجه الدليل على وجه تعلق الإرادة بتخصيص التصديق فافهم هذه الدقيقة، هذا كمن علم أن له عند اللّه دعوة مستجابة فدعا و استجيب له علم ضرورة أن المجيب أراد تخصيصه بتلك الإجابة كرامة له و إنعاما عليه، و لم يقدح في علمه ذلك تجويز المجوز، إن ذلك ربما يقع اتفاقا بسبب آخر فإذا كان مثل ذلك معلوما في الجزئيات لكل شخص شخص عرف مواقع نعم اللّه تعالى على عبده و كان بصيرا بزمانه مقبلا على شأنه، فما ظنك بحال من اصطفاه اللّه تعالى من خليقته و اجتباه من بريته و قد تبين أنه يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص: ٦٨].
قال المنكرون: و لنا أسئلة أخرى وجب عليكم الجواب عنها.
منها أن الخارق للعادة إذا تكرر و توالى صار معتادا بالاتفاق فما يؤمنكم في الحالة الأولى أنه من المتكررات المعتادة في ثاني الحال، و إن لم يوجد في سابق الأحوال، أ لستم تشترطون أن يكون الخارق في زمن التكليف فإن في آخر الزمان تنخرق العادات كلها فتتكور الشمس و تتكدر النجوم و تسير الجبال و تنشق السماء و تزلزل الأرض فلو ادعى مدع أن هذه و أمثالها معجزاتي و هي بالاتفاق خوارق لا تندرج تحت قوة البشر و لا يتوصل إليه بالحيل، بل تمحضت فعلا للّه تعالى فلا يكون ذلك دليلا على دعوى هذا المدعي فالعاقل في زمن التكليف، ربما يتوقع أن تتوالى الآيات فلا يحصل له العلم بكونها آية على صدقه ما لم يأمن التوالي و التعاقب، بل