نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٨
التجارة و يعطيه المال لأجل الخسارة و لو علم من ولده أنه لو أعطاه سيفا و سلاحا ليقاتل عدوا من أعدائه لقتل نفسه و يبقى السلاح لعدوه لم يكن من الحكمة أن يعطيه السلاح و يبعثه للقاء عدوه البتة بل لو فعل ذلك كان ساعيا في هلاك ولده.
و من مذهبهم أن الرب تعالى لو علم أنه لو أرسل رسولا إلى خلقه و كلفه الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدي فإن علمه به يصرفه عن إرادته الأداء عنه فكذلك لو علم أنه يكفر و يهلك وجب أن يصرفه عن إرادته الأداء عنه مع علمه بأنه لا يؤدي فإن علمه به يصرفه عن إرادته الخير و الصلاح له و هذا بمثابة من أولى حبلا إلى عريق ليخلص به نفسه مع العلم بأنه يخنق نفسه فقد أساء النظر له بل قصد به هلاكه.
و من مذهبهم أن الرب إذا علم أن في تكليفه عبدا من العباد فساد الجماعة فإنه يقبح تكليفه لأنه استفساد لمن يعلم أنه يكفر عند تكليفه.
و من الإلزامات أن القوم قضوا بأن الرب تعالى قادر على التفضل بمثل الثواب فأي غرض في تعريض العباد للبلوى و المشاق.
قالوا: الغرض فيه أن استيفاء المستحق أهنأ و ألذ من قبول التفضل و هذا كلام من لم يعرف اللّه حق معرفته و كيف يستنكف العبد و هو مخلوق مربوب من قبول فضل اللّه تعالى فلو خلق الخلق و أسكنهم الجنة كان حسنا منه و لو خلقهم في الدنيا ثم أماتهم من غير تكليف كان حسنا أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [الأعراف: ٥٤]، أ ليس لو خلقهم و كلفهم و قطع عنهم الألطاف كانوا أبلغ في الاجتهاد و أحمل للمشاق فكان الثواب لهم أكثر و الالتذاذ بما يستحقونه من العوض أشد فهلا تقطع عنهم الألطاف بأسرها لتكون اللذة في الثواب أوفر.
ثم نلزمهم فرض الكلام في طفلين أحدهما اخترمه قبل البلوغ لعلمه بأنه لو بلغ لكفر فصار الصلاح في حقه الاخترام حتى لا يستوجب عقاب النار و الأخر أوصله إلى البلوغ و التكليف فكفر فيقول يا رب هلا اخترمتني قبل البلوغ كما اخترمت أخي حتى لا يتوجه عليّ تكليف يوجب عقاب الأبد و طفلين آخرين اخترم أحدهما قبل البلوغ و هو ابن كافر و قد علم أنه لو بلغ لآمن و أصلح و الآخر أوصله إلى البلوغ، و هو ابن مسلم فكفر و أفسد فيقول: هلا اخترمتني حتى لا أستوجب عقاب الأبد، و بالجملة من أوجب رعاية الصلاح و الأصلح يوجب اخترام الأطفال الذين علم اللّه تعالى منهم الكفر بعد البلوغ حتى لا يوجد كافر في العالم و إبقاء الأطفال الذين علم اللّه تعالى منهم الإيمان حتى لا يتحقق إلا الإيمان و المؤمن في العالم و الصلاح يدور على المعلوم كيف كان ثم ما من أصلح إلا و فوقه أصلح، و الاقتصار على مرتبة واحدة كالاقتصار