نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥
تلك المادة المتقدمة لا تتصور إلا في زمان لأن قبل و مع لا يتحقق إلا في زمان و المعدوم قيل هو المعدوم مع و ليس الإمكان قبل هو الذي يقارن الوجود فهو إذا متقدم تقدما زمانيا و العالم لو كان حادثا عن عدم لتقدمه إمكان الوجود في مادة تقدما زمانيا، فهو إما أن يتسلسل فهو باطل و إما أن يقف على حد لا يسبقه إمكان فلا يسبقه عدم فيكون واجبا بغيره و هو ما ذهبنا إليه، و هذه الشبهة هي التي أوقعت المعتزلة في اعتقاد كون المعدوم شيئا، و عن هذا قصروا الشيئية في الممكن وجوده لا المستحيل ثبوته.
و الجواب: أنا قد بينا أن معنى الحدوث عن عدم أنه هو الموجود الذي له أول لا [....] [١] الإمكان السابق عليه ليس يرجع إلى ذات و هو شيء حتى يحتاج إلى مادة بل هو أمر راجع إلى التقدير الذهني لأن ما لا يجوز وجوده لا يتحقق له ثبوت و حدوث و القبلية و المعية، راجعة أيضا إلى التقدير العقلي، و إنما نتصور نحن من حدوث العالم ما يتصورونه من حدوث النفس الإنسانية حادثة لها أول لا عن شيء حتى يمكن أن يقال: إنها مسبوقة بالعدم أي لم تكن فكانت و هي ممكنة الوجود في ذاتها و إمكانها لا يستدعي مادة تسبقها، فإن ذلك يؤدي إلى أن يكون وجودها ماديا، فعلم أن الإمكان من حيث هو، إمكان ليس يستدعي مادة و سبقه على الموجود الحادث ليس إلا سبقا في الذهن سميتموه سبقا ذاتيا و ذلك السبق ليس سبقا زمانيا و كذلك القول في المعلول الأول و سائر النفوس فإنها ممكنة الوجود بذواتها، و إمكان وجودها سابق على وجودها سبقا ذاتيا [٢]، و كذلك القول في الجسم الأول الذي هو فلك الأفلاك و نقول: إن كل حادث حدوثا زمانيا أو حدوثا ذاتيا على أصلكم، فإنه بسبقه إمكان الوجود فإن الموجود المحدث قد تردد بين طرفي الوجود و العدم و هذا التردد و السبق و الإمكان كله يرجع إلى تقدير في الذهن و إلا فالشيء في ذاته على صفة واحدة من الوجود لكن الوجود باعتبار ذاته انقسم إلى ما يكون وجوده لوجود هو له لذاته أي هو غير مستفاد له من غيره فيقال: الوجود أولى به و أول ما يكون وجوده لوجود هو له من غيره فيقال الوجود ليس أولى به و لا أول و هذا الوجود لم يتحقق إلا أن يكون له أول مسبوق بوجود لا أول له و يكون له في ذاته إمكان الوجود يعبر عنه بأنه مسبوق بإمكان الوجود لا أنه وجود يسبقه إمكان الوجود بل الوجود في ذاته
[١] ما بين [....] بياض في الأصل.
[٢] انظر: المواقف (٢/ ٦٧٧، ٦٨٠، ٦٨١)، و معارج القدس (١/ ١٠٨، ١١١).