نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٥
الطاعة و طلبها بالأمر بها، و بين كراهية وقوعها جمع بين نقيضين و ذلك بمثابة الأمر بالشيء و النهي عنه في حالة واحدة إذ لا فرق بين قول القائل آمرك بكذا و أكره منك فعله و بين قوله آمرك بكذا و أنهاك عنه، و إذا وقع الاتفاق بأن اللّه تعالى آمر عباده بالطاعة وجب أن يكون مريدا لها كارها لضدها من المعصية، و إذا كان الآمر بالشيء مريدا له كان الناهي عن الشيء كارها له.
و الذي يحقق ذلك أن الأمر بالشيء يقتضي من المأمور حصول المأمور به و الإرادة تقتضي تخصيص المأمور به بالوجود و من المحال اقتضاء الحصول لشيء و اقتضاء ضد ذلك منه فلو قلنا إن الباري تعالى أمر أبا جهل بالإيمان و أراد منه الكفر أدى ذلك إلى اقتضاء الإيمان منه بحكم الأمر و اقتضاء الكفر منه بحكم الإرادة و هو محال و يخرج على هذه القاعدة استروا حكما إلى العلم فإنه يجوز أن يأمر بخلاف المعلوم لأن العلم ليس فيه اقتضاء و طلب و إنما هو يتعلق بالمعلوم على ما هو به بخلاف الإرادة فإنها مقتضية فيرد الأمر على خلاف العلم و لا يرد على خلاف الإرادة.
قالت الأشعرية: لسنا نسلم أن كل آمر بالشيء مريد حصوله بل كل آمر بالشيء عالم بحصوله مريد له حصولا و كل آمر يعلم حصول ضده لا يكون مريدا لحصوله، فإن الإرادة على خلاف العلم تعطيل لحكم الإرادة و تغيير لأخص وصفها، و قد بينا أن أخص وصفها التخصيص، و حكمها إنما يتعلق بالمتجدد من المقدورات و المتخصص من المقدورات فإذا علم الآمر أن المأمور به لا يحصل قط و لا يتجدد و لا يتخصص قط فيستحيل أن يريده فإنها توجد و لا متعلق لها يتعلق و لا أثر لتعلقها و ذلك محال و لو كانت الإرادة خاصيتها أن تتعلق بالممكن فقط كالقدرة لكان جائزا أن تتعلق بخلاف المعلوم.
و من العجب: أن متعلق القدرة أعم من متعلق الإرادة، فإن الجائز الممكن من حيث هو ممكن متعلق القدرة و المتجدد من جملة الممكنات هو متعلق الإرادة و المتجدد أخص من الممكن.
ثم قال بعض المخالفين إن خلاف المعلوم غير مقدور و هو أعم فخلاف المعلوم كيف يكون مرادا و هو أخص، ثم نقول من رأيي الآمر بالشيء لا يكون مريدا لمأمور به من حيث إنه مأمور به قط سواء كان المأمور به طاعة أو غيره، و قد علم الأمر حصولها، و سواء كان الآمر بخلاف ذلك فإن جهة المأمور به هو كسب المأمور و قد بينا أن ذلك أخص وصف للفعل سمي به المرء عابدا مطيعا مصليا و صائما مزكيا حاجا غازيا مجاهدا و الفعل من هذا الوجه لا ينسب إلى الباري تعالى فلا يكون مريدا له من هذا الوجه بل ينسب إليه من حيث التجدد و التخصيص و ما لم يكن الفعل فعلا