نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٩
يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧] و قال:
وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ [السجدة: ١٣]، وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر: ٦]، فتارة يجيء الكلام بلفظ الأمر و تثبت له الوحدة الخالصية التي لا كثرة فيها وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠]، و تارة يجيء بلفظ الكلمات و تثبت لها الكثرة البالغة التي لا وحدة فيها و لا نهاية لها ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ [لقمان: ٢٧]، فله إذا أمر واحد و كلمات كثيرة و لا يتصور إلا بحروف فعن هذا قلنا: أمره قديم و كلماته كثيرة أزلية و الكلمات مظاهر الأمر للأمر و الروحانيات مظاهر الكلمات و الأجسام مظاهر الروحانيات و الإبداع و الخلق إنما يبتدئ من الأرواح و الأجسام أما الكلمات و الحروف فأزلية قديمة فكما أن أمره لا يشبه أمرنا و كلماته و حروفه لا تشبه كلماتنا و هي حروف قدسية و علوية و كما أن الحروف بسائط الكلمات و الكلمات أسباب الروحانيات و الروحانيات مدبرات الجسمانيات و كل الكون قائم بكلمة اللّه محفوظ بأمر اللّه تعالى و لا يغفل عاقل عن مذهب السلف و ظهور القول في حدوث الحروف فإن له شأنا و هم يسلمون الفرق بين القراءة و المقروء و الكتابة و المكتوب و يحكمون بأن القراءة التي هي صفتنا و فعلنا غير المقروء و الذي ليس هو صفة لنا و لا فعلنا غير أن المقروء بالقراءة قصص و أخبار و أحكام و أوامر و ليس المقروء من قصة آدم و إبليس هو بعينه المقروء من قصة موسى و فرعون و ليس أحكام الشرائع الماضية هي بعينها أحكام الشرائع الخاتمة فلا بد إذا من كلمات تصدر من كلمة و ترد على كلمة و لا بد من حروف تتركب منها الكلمات و تلك الحروف لا تشبه حروفنا و تلك الكلمات لا تشبه كلامنا كما ورد في حق موسى عليه السلام سمع كلام اللّه كجر السلاسل و كما قال المصطفى صلوات اللّه عليه في الوحي: «أحيانا يأتيني كصلصلة الجرس و هو أشد عليّ ثم يفصم عني و قد وعيت ما قال» و اللّه أعلم.