نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٤٠
الزمان كانت قائمة و قد أظهرها الخليل صلى اللّه عليه و سلم حيث قال: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ٧٨، ٧٩]، و بذلك أمر خاتم النبيين عليه السلام قال على مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨]، و قال: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الأنعام: ١٤]، و قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ [الأنعام: ٧٩]، الآية و غيرها من الآيات و فيه فصول كثيرة ذكرناها في كتاب الملل و النحل.
و أما الجواب: عن مسألة إمهال النظر و إفحام الأنبياء فإنما يلزم الإفحام على من قال بالمهلة و يجب على النبي إمهال النظر و ذلك مذهب المعتزلة، و أما من قال بأنه لا يمهله و لا يجب عليه أن يمهله، بل يجيب بأني جئت لأرفع المهلة و أرشدك إلى معرفة المرسل بأن أخبر عنك بما لا يمكنك إنكاره، و هو احتياجك إلى صانع فاطر حكيم إذ كنت تعرف ضرورة أنك لم تكن فكنت، و ما كنت بنفسك، بل بكون غيرك و هذه هي ابتداء الدعوة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، فكيف يمهله و يكله إلى نفسه و هو مأمور بدعوة الناس إلى التوحيد و المعرفة حالة فحالة و شخصا فشخصا و الاستمهال إنما يتوجه إذا خلت الدعوة من الحجة الملزمة، و الدلالة المفحمة فإن من تحققت رسالته في نفسها و تصدى لدعوة الناس إلى وحدانية اللّه تعالى لا يخلي دعوته عن الدلالة على التوحيد أولا ثم يتحدى بالرسالة عنه ثانيا اعتبر حال جميع الأنبياء عليهم السلام في دعوتهم أما آدم أبو البشر فقد ثبت صدقه بإخبار اللّه تعالى ملائكته إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]، فلم يكن في أول زمانه من كان مشركا فيدعوه إلى التوحيد و حين أمروا بالطاعة فمن صدق اللّه تعالى في خبره فسجد له بأمره، و من لم يسجد فكأنه لم يصدق فاستحق اللعنة و هو أول من كفر، و أما نوح عليه السلام فأول كلامه مع قومه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون: ٣٢]، فأثبت التوحيد ثم النبوة فقال: أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ [الأعراف: ٦٩]، و أما هود بعده فقال: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ