نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٠٤
الذات و استشهادكم بالقرب و البعد لا يغني عن هذا الإلزام فإنا نلزمكم تمايز الوجوه و الاعتبارات بين الإضافي و السلبي إذ من المعلوم كونه علة و مبدأ للمعلول الأول أمر أو حال سلبي و ليس يوجب المعلول من حيث أنه انتفى عن الكثرة و ليس كونه مسلوب الكثرة عنه موجبا للمعلول و لا يلزم وجوده شيء من حيث يسلب عنه شيء و لا يسلب عنه شيء من حيث يلزم وجوده شيء و يخالف ما نحن فيه حال القرب و البعد بالإضافة إلى شيء دون شيء فإن قرب الجوهر من جوهر قد يكون من باب الإضافة و قد يكون من باب الوضع و قد يكون من باب الأين لكن لفظ القرب و البعد يطلق على كل جوهرين تقاربا أو تباعدا بمقدار ما و المقادير بينهما لا تنحصر في حد فقيل فعند ذلك تختلف بالنسب و الإضافات و هي لا تنحصر فلو قلنا إنهما أمران زائدان على وجودهما أدى ذلك إلى إثبات أعراض لا تتناهى لجوهرين متناهيين لكن ما فيه القرب و البعد متناهيين أعني الأين و الوضع و الإضافة فهي أمور زائدة على ذاتي الجوهرين فعرف أن المثال الذي تمثلوا به لازم عليهم.
على أنا نقول: أ لستم أثبتم الإضافة معنى و عرضا زائدا على الجوهر، فأفيدونا فرقا معقولا بين إضافة الأب إلى الابن و بين إضافة العلة إلى المعلول، فإن الإضافة هي:
المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر و ليس له وجود غيره مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة لا كالأب فإن له وجودا كالإنسانية و كونه مصدرا و مبدأ هو المعنى الذي وجوده بالقياس إلى المعلول و ليس له وجود غيره و كذلك كل علة و معلول سوى العلة الأولى فتعرض له هذا المعنى و هو هذا المعنى بعينه ثم حكمتم بأن الأبوة معنى هو عرض زائد فهلا حكمتم بأن العلية معنى هو عرض زائد حتى يلزم أن يكون الإيجاب بالذات نوع ولادة.
و كثيرا ما دار في خيالي و خاطري أن الذي اعتقدوه النصارى من الأب و الابن هو بعينه ما قدّره الفلاسفة من الموجب و الموجب و العلة و المعلول تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [مريم: ٩٠- ٩٢]، فهو تعالى لم يوجب و لم يوجب و لم يلد و لم يولد و إنما نسبة الكل إليه نسبة العبودية إلى الربوبية، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣]، و هو رب كل شيء و مبدعه و إله كل موجود و فاطره جل جلاله و تقدست أسماؤه و لا إله غيره.