نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٦٩
نهي عن ذلك الشيء بعد اتحاد جهاته فتعدد الكلام بتعدد المتعلقات فصارت تلك الجهات أقساما و انفصل كل قسم عن قسم بأخص وصف له بعد الاشتراك في حقيقة الكلامية كالعلوم المختلفة إذا تعلقت بمعلومات مختلفة كانت أقساما مختلفة و امتاز كل علم عن قسمه بأخص وصفه بعد الاشتراك في حقيقة العلمية ثم إذا خصص الكلام بعلم قديم أو عالمية أزلية لم يلزم اتحاد الخصائص في ذات واحدة بل العلم الأزلي في معنى علوم مختلفة نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه و كذلك الكلام الأزلي في حكم الأمر و النهي و الخبر و الاستخبار نائبا مناب الكل من غير أن تتكثر ذاته أو تختلف خواصه و هذا معنى قولنا الأقسام في الكلام الشاهد كالأوصاف في الكلام الغائب، ثم بم تنكرون على من يقول الكلام معنى واحد حقيقته الخبر عن المعلوم ثم التعبير عن ذلك المعنى إذا كان المعلوم محكوما فعله بالأمر أو محكوما تركه بالنهي و إن كان في وقت قد وجد المعلوم و انقضى كان التعبير عنه عما كان و إن كان في وقت لم يوجد المعلوم بعد و سيوجد كان التعبير عنه عما سيكون فالأقسام المذكورة ترجع إلى التعبيرات بحسب الوجوه و الاعتبارات و إلا فالكلام الأزلي واحد لا كثرة فيه باختلاف الخواص و تضاد المعاني فكان قبل خلق آدم التعبير عن معلوم الخلافة في ثاني الحال إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠].
و بعد إرسال نوح و انقراض عصره كان التعبير عن معلوم الرسالة في ماضي الحال إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [نوح: ١]، و لو عبر عن حال موسى قبل وجوده بالواد المقدس كان على صيغة الخبر عما سيكون و إذا عبر عن حاله و هو بالواد المقدس كان على صيغة الأمر فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه: ١٢]، فالاختلافات كلها راجعة إلى التعبيرات عن الكلام الذي هو وفق المعلوم حتى لو قدرنا لأنفسنا نطقا عقليا سابقا على وجود المخاطب باقيا على ممر الدهور كان المعبر عنه على حقيقة واحدة لا يتبدل و التعبيرات عنه على أقسام مختلفة لا تتماثل و لو قدرنا لنفوسنا نطقا عقليا مطابقا لإدراك عقلي عاليا على الدهر و الزمان بحيث نسبتهما إلى الماضي و الحاضر و المستقبل نسبة واحدة لم يشك أن الاختلاف لم يرجع إلى كثرة معان في ذاته بل يرجع إلى ما يختلف بالأزمان أ لم تسمع اللّه تعالى و تقدس يخبر في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه عن حال عيسى عليه السلام عما سيكون في القيامة بقوله عز من قائل: وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦]، أو ليس عبّر في المستقبل بالماضي و بعد لم