نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٤
و الأمر فيه متعارض و ما يستقبح أحدهما من الثاني ليس استقباحا يتنازع فيه.
و قولهم: ما يحسن من العقل يحسن من حيث الحكمة فيجب على اللّه حكمة لا تكليفا.
قلنا: ما المعني بقولكم يجب على اللّه تعالى من حيث الحكمة؟ و ما معنى الحكيم و الحكمة؟ فإن عندنا وقوع الفعل على حسب العلم حكمة سواء كان فيه مصلحة و غرض أو لم يكن بل لا حامل للمبدع الأول على ما يفعله فلو كان فالحامل فوقه و الداعي أعلى منه بل فعله و صنعه على هيئة يحصل منها نظام الموجودات بأسرها من غير أن يكون له حامل من خارج و غرض وداع من الغير و الحكيم من فعل فعلا على مقتضى علمه و الحسن الإحكام في الفعل من آثار العلم و أما الغير إذا فعلا مستحسنا عنده من غير إذن المالك فليس من الحكمة وجوب المجازاة على ذلك الفعل خصوصا و المالك لم ينتفع بذلك المستحسن و لا اكتسب زينة و جمالا و الحال عنده إن فعل و إن لم يفعل على وتيرة واحدة. و بقى أن يقال إذا لم يرجع إلى المالك نفع و لا ضرر فربما يرجع إلى الفاعل في الحال مشقة و كلفة مع جواز أن يخطئ فيعاقب في ثاني الحال حساب و كتاب مع جواز أن يثاب على الصواب فأي عقل يخاطر هذه المخاطرة و يقتحم هذا الاقتحام و إن رجعوا إلى عادات الناس في شكر المنعم و الثناء على المحسن و التعبد للمالك و العباد للملوك أنها من مستحسنات العقول.
و الجواب عنه من وجهين أحدهما أن العادة لا تكون دليلا عقليا يلزم الحكم به ضرورة بل العادات متعارضة و الشكر و الكفر سيان في حق من لا ينتفع بشكر و لا يتضرر بكفر و الثاني أن الشكر على النعمة لا يستوجب بسببه نعمة أخرى بل هو قضاء لواجب ثبت عليه إذا أدى ما وجب عليه لم يستوجب بذلك زيادة نعمة فلا يجب على اللّه تعالى ثواب بسبب شكر النعمة و لهذا نقول من أنفق جميع عمره في شكر سلامة عضو واحد كان يعد مقصرا فإذا قابل قليل شكره بكثير نعم اللّه تعالى كيف يكون يعد موفرا و كيف يستحق على المنعم زيادة نعمه و كذلك حكم جميع العبادات في مقابلة النعم المسابقة قليل في كثير و لا يستوجب بسببها ثواب.
ثم نقول الواجب في حق اللّه تعالى غير معقول على الإطلاق و الاستحقاق للرب على العبد غير مستحيل حمله فإنه ما من وقت من الأوقات إلا و يتقلب العبد في نعم كثيرة من نعم اللّه تعالى ابتداء بأجزل المواهب و أفضل العطايا من حسن الصورة و كمال الخلقة و قوام البنية و إعداد الآلة و إتمام الأداة و تعديل القناة نعم و ما متعه به من أرواح الحياة و فضله به من حياة الأرواح و ما كرمه به من قبول العلم و آدابه و هدايته