نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٨٧
و من خواص أفعالها أنها إذا خرجت من القوة إلى الفعل عقلا و علما أو خلقا و عملا أخرجت غيره من النفوس الإنسانية من القوة إلى الفعل حتى تصير صورتها مشابهة لصورة المخرج كالمعلم للقراءة يخرج نفس الصبي من قوة الاستعداد إلى فعل القراءة حتى يصير قارئا مثله و كالمعلم للحكمة يخرج نفس المتعلم من قوة الصلاحية إلى فعل الحكمة حتى يصير حكيما مثله و كالمعلم للصناعات البشرية الخاصة بنوع الإنسان يخرج نفوس المتعلمين من القوة إلى الفعل حتى يصير صانعا مثله و ليست هذه الخاصية أيضا لنوع من الحيوانات لأن ما لها بالطبع و الفطرة فهي لمواليدها كذلك فهذا المعنى فضيلة النفس الإنسانية و انفصلت و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة: ٣١]، الآية و كان له قوة القبول و قوة الأداء في طرفي العلم و العمل و من خواص أفعالها أنها حيثما كثرت أفعالها ازدادت قوة و كمالا و غيرها من النفوس و الأجسام و قواها الجسمانية حيثما كثرت أفعالها ازدادت ضعفا و كلالا.
و من خواص قواها و أفعالها أن كل قوة جسمانية فهي متناهية الأثر إلى حد معلوم و القوة على ما لا يتناهى لا يتصور في الجسم بخلاف القوة العقلية النفسانية فإنها تقوى على ما لا يتناهى إذ ما يمكن أن تدركه النفس الناطقة من المحسوسات و المعقولات ليست محصورة فيستحيل أن يكون ذاتها ذاتا جسمانيا و قواها قوى جسمانية.
و أما خواصها من جهة إدراكها فأخص إدراكاتها أنها تدرك ذاتها بذاتها و أن ذاتها لا تعزب عن ذاتها و تراها تغفل عن كل شيء تقديرا سوى ذاتها حتى النائم و السكران يغفل عن كل شيء سوى ذاته ثم المدرك من ذاته ليس بآلة جسمانية أو نفسانية لأنا فرضناها غافلة عن كل شيء سوى ذاتها و المدرك ليس جسما أو جزءا من جسم فإنا في الفرض المذكور أغفلناه عن كل شيء سوى ذاتها فهي مدركة و مدركة و عاقلة و معقولة لا يحجبها عن ذاتها شيء البتة و نفس إدراكها نفسها لا كالحواس فإنها لا تدرك ذاتها بذاتها و لا كالمدرك بالآلات إذا أصابت الآلة آفة بطل إدراكه أو ضعف و لا كالمدرك بآلة إذا أدرك شيئا قويا لم يمكنه إدراك الضعيف بل هي تدرك الضعيف بعد القوي و الخفي بعد الجلي و لا كما يضعف بامتداد الزمان و يبليه ممر الدهور و الحدثان فإنه ربما يقوى في الكبير و يضعف في الصغير فهذه كلها من خواص النفس الإنسانية نحس من أنفسنا ضرورة أن الأمر كذلك من غير احتياج إلى برهان يقام عليه و المعاني الضرورية إذا احتال المرء فيها لطلب برهان عليها ازدادت خفاء و انتقصت جلاء.
ثم البرهان القاطع على أن النفس ليس بجسم و لا قوة في جسم أن العلم المجرد