نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٥٢
و مما يوضحه أن القدرة على الشيء قدرة على مثله و على ضده عند الخصم فلو كانت الحركة الأولى تحدث بإحداثه لكان قادرا على مثلها أو على ضدها مثل ما قدر على الأولى و لكانت الحركات لا تختلف أصلا عند اجتماع الدواعي [١].
المسلك الثاني لهم في إثبات الفعل للعبد إيجادا قولهم التكليف متوجه على العبد بافعل و لا تفعل فلم تخل الحال من أحد أمرين إما أن لا يتحقق من العبد فعل أصلا فيكون التكليف سفها من المكلف و مع كونه سفها يكون متناقضا فإن تقديره افعل يا من لا يفعل و أيضا فإن التكليف طلب و الطلب يستدعي مطلوبا ممكنا من المطلوب منه و إذا لم يتصور منه فعل بطل الطلب و أيضا فإن الوعد و الوعيد مقرون بالتكليف و الجزاء مقدر على الفعل و الترك فلو لم يحصل من العبد فعل و لم يتصور ذلك بطل الوعد و الوعيد و بطل الثواب و العقاب فيكون التقدير افعل و أنت لا تفعل ثم إن فعلت و لن تفعل فيكون الثواب و العقاب على ما لم يفعل و هذا خروج عن قضايا الحس فضلا عن قضايا المعقول حتى لا يبقى فرق بين خطاب الإنسان العاقل و بين الجماد و لا فصل بين أمر التسخير و التعجيز و بين أمر التكليف و الطلب.
قالوا: ودع التكليف الشرعي أ ليس المتعارف منا و المعهود بيننا مخاطبة بعضنا بعضا بالأمر و النهي و إحالة الخير و الشر على المختار و طلب الفعل الحسن و التحذير عن الفعل القبيح ثم ترتيب المجازات على ذلك و من أنكر ذلك فقد خرج عن حد العقل خروج عناد فلا يناظر إلا بالفعل مناظرة السفسطائية فيشتم و يلطم فإن غضب بالشتم و تألم باللطم و تحرك للدفع و المقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل شيئا ما و إلا فما باله غضب و تألم منه و أحال الفعل عليه و إن تصدّى للمقابلة فقد اعترف بأنه رأى من المعامل فعلا يوجب الجزاء و المكافأة.
و الجواب عن ذلك من وجهين أحدهما: الإلزامات على مذهبهم، و الثاني:
التحقيق على موجب مذهبنا.
الأول أن نقول: عيّنوا لنا ما المكلف به و ما المطلوب بالتكليف فإن إجمال القول بأن التكاليف متوجه على العبد ليس يغني في تقدير أثر القدرة الحادثة و تعيينه.
فإن قلتم: المطلوب و المكلف به هو الوجود من حيث هو وجود فذلك محل التنازع و كيف يكون الوجود هو المطلوب و الوجود من حيث هو وجود لا يختلف في
[١] انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي (ص ١١٦)، و تمهيد الباقلاني (ص ٣٣٢)، و أقاويل الثقات لمرعي (ص ١٦١).