نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢١٦
و العقاب خصوصا على أصل المعتزلة فإن التكليف و الأمر و الإيجاب من اللّه تعالى مجاز في العقل إذ لا يرجع إلى ذاته صفة يكون بها آمرا مكلفا بل هو عالم قادر فاعل للأمر كما هو فاعل الخلق و العقل إنما يعرفه على هذه الصفة و يستحيل أن يعرفه أنه يقتضي و يطلب منه شيئا و يأمر و ينهى بشيء فغاية العقل أن يعرفه على صفة يستحيل عليه الاتصاف بالأمر و النهي فكيف يعرفه على صفة يريد منه طاعة يستحق عليها ثوابا و لا يريد منه معصية يستحق عليها عقابا و لا طاعة و لا معصية إذ لا أمر و لا نهي إذ لم يبعث بعد نبيا فيخلق لأجله كلاما في شجرة فيسمعه و لو خلق لنفسه كلاما فهو مسموع كل الحد و لا له في ذاته كلام يمكن أن يستدل عليه كسائر صفات ذاته بل أمره و نهيه من صفات فعله بشرط أن لا يدل أمره المفعول المصنوع على صفة في ذاته فهو مدلول أمره و نهيه إذ خلق في شجرة افعل لا تفعل لا يدل ذلك على صفة غير كونه عالما قادرا فليعرف من ذلك أن من نفى الأمر الأزلي لم يمكنه إثبات التكليف على العبد و لا أمكنه إثبات حكم في أفعال العباد من حسن أو قبح و يؤدي ذلك إلى نفي الأحكام الشرعية المستندة إلى قول من ثبت صدقه بالمعجزة فضلا عن العقلية المتعارضة المستندة إلى عادات الناس المختلفة بالإضافة و النسب و كثيرا ما نقول من نفى قول اللّه فقد نفى الفعل فصار من أوحش الجبرية أعني أثبت جبرا على اللّه تعالى و جبرا على العبد من نفى إكساب العباد فقد نفى قول اللّه صار من أوحش القدرية أعنى قدرا على اللّه و قدرا على العبد و القدرية جبرية من حيث نفي الكلام و القول و الأمر و الجبرية قدرية من حيث نفي الفعل و الكسب و المأمور به فليتنبه لهذه الدقيقة.
و أما ما ذكروه من جواز التنازع بين مختلفين في مسألة عقلية و إنكار أحدهما على صاحبه و استقباح مذهبه مسلم و لكن النزاع في أمر وراءه و هو أنه هل يجب على المتنازعين الشروع في تلك المسألة وجوبا يستحق به ثوابا و إذا حصل على علم فهل يستحق به ثواب الأبد و إذا حصل على جهل فهل يصير به مستحقا لعقاب الأبد فما دليلكم على نفس المتنازع و قد عرفتم أن الأمر فيه غيب و الإذن فيه من المالك غير موجود و في التصرف خطر و من المعلوم أن من خاض لجة البحر ليطلب درة و هو غير حاذق الصنعة كان على خطر الهلاك و ربما يصير ملوما من جهة مالكه إن كان عبدا أو مغرما من جهة صاحب المال إن كان شريكا ثم الاستقباح و الاستحسان و الإنكار و الإقرار متعارضان عند الخصمين فإن كل واحد منهما يستحسن ما يستقبحه صاحبه بناء على إنكاره و قل ما يتفق ارتفاع النزاع بينهما إلا بقاض يكون حكمه في الأمر وراء حكمهما و عقله أرجح من عقلهما يتحاكمان إليه و ذلك هو الذي ينفي الحسن