نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٠
و أيضا فإن عندكم مخرج العقل من القوة إلى الفعل يجب أن يكون عقلا بالفعل فإن العقل بالقوة لا يخرج العقل بالقوة فإنه بعد محتاج إلى مخرج، و ليس هذا بذاته يخرج ذاته من القوة إلى الفعل، و كما أن الممكن بذاته لا يترجح أحد طرفي إمكانه على الثاني إلا بمرجح كذلك ما هو بالقوة فلا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بمخرج و كما أن المرجح على الحقيقة ما انتفى عنه وجوه الإمكان كذلك المخرج على الحقيقة ما انتفى عنه وجه القوة كالمرجح لجانب الوجود على العدم في الممكنات هو واجب الوجود بذاته و المخرج من القوة إلى الفعل هو العقل الفعال فقد اعترفتم بأن لا خالق إلا اللّه و لا هادي إلى المعارف و لا موجب للتكاليف المستدعية للجزاء إلا هو بتوسط العقل الأول الفعال و العقول الجزئية بحكم مناسبتها العقل الأول ربما تشتمل منها صور المعارف فيعرف الأوائل فطرة و بديهة ثم يرد إليها الثواني و الثوالث نظرا و تفكرا حتى يخرج إلى الفعل، و هذا على طريق الجواز و الإمكان لا على طريق الوجوب و الضرورة لكن لا يعرف إيجابه و تكليفه على العموم إذ ليس لكل واحد من نوع الإنسان استعداد الاستمداد منه من كل وجه بل واحد بعد واحد، فذلك هو النبي عندنا فلا تعرف المعارف إلا بالعقل و لا تجب المعارف إلا بالسمع فلزمكم من حكم قاعدتكم هذه ما أثبتناه و هو لازم ضرورة.
و أما الجواب عن مقالة الصابئة نقول أنتم منازعون في إثبات تأثيرات الكواكب في الأجسام السفلية كل المنازعة و لنسلم لكم ذلك تسليم المساهلة فالسعد و النحس لم يؤثر إلا في الحسن و القبح من حيث الخلقة و ذلك غير متنازع فيه و إنما النزاع بيننا في الحسن و القبح من حيث الأمر و لا شك أن اللّه تعالى حكم في أفعال العباد بافعل و لا تفعل و على ذلك الحكم جزئ في الدار الآخرة.
فنقول ذلك الحكم غير معلوم ضرورة و لا استدلالا من حيث العقل فوجب التوقف إلى أن يرد به سمع و ما قالوه من نفي النبوة في الصورة البشرية فتقرر الحجة عليه في إثبات النبوات و أما المنافع و المضار في الأشياء و كونها معلومة بالعقل فغير مسلم على الإطلاق فإن طريقتها عند القوم و عند الطبيعيين و الأطباء هو التجربة و التجربة ما لم تتكرر لم تفد العلم و التكرار فيه غير ممكن لاختلاف طبائع الأشياء بالنسبة إلى مزاج و مزاج و هواء و هواء و تربة و تربة و قط لا تحصل التجربة في شيء واحد باعتبار واحد و أيضا فإن الخواص التي هي وراء كيفيات الأشياء و طبائعها ربما تخالف ما يحصل بالتجربة من الطبائع و الخواص عندهم من فيض النفس الكلية على ماهيات الأشياء و ربما تحصل آثار كثيرة من مجرد عدد يتركب من أعداد مخصوصة