نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨٦
وجهين من حيث رددتم العموم و الخصوص إلى الألفاظ المجردة و حكمتم بأن الموجودات المختلفة تختلف بذواتها و وجودها فكلامكم هذا ينقض بعضه بعضا و يدفع آخره أوله و هذا إنكار لأخص أوصاف العقل أ ليس هذا الرد حكما عاما على كل عام و خاص بأنه راجع إلى اللفظ المجرد أ ليست الألفاظ لو رفعت من البين لم ترتفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا نطق لها و لا عقل لم تعدم هذه الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من العشب فتأكل ثم إذا رأت عشبا آخر يماثل ذلك الأول ما اعتراها ريب في أنه مأكول كالأول فلو لا أنها تخيلت من الثاني عين الحكم الأول و هو كونه مأكولا و إلا لما أكلت و تعرف جنسها فتألف به و تعرف ضدها فتهرب منه و لقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب الحد و شموله للمحدودات و باب النظر و تضمنه للعلم.
و أنا أقول لا بل حسمتم على العقول باب الإدراك و على الألسن باب الكلام فإن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة لجميع نوع الإنسان مميزة عن الشخص المعين المشار إليه و كذلك العرضية كلية عامة لجميع أنواع الأعراض من غير أن يخطر بباله اللونية و السوادية و هذا السواد بعينه و هذا مدرك بضرورة العقل و هو مفهوم العبارة متصور في العقل لا نفس العبارة إذ العبارة تدل على معنى في الذهن محقق هو مدلول العبارة و المعبر عنه لو تبدلت العبارة عربية و عجمية و هندية و رومية لم يتبدل المعنى المدلول ثم ما من كلام تام إلا و يختص معنى عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا و تلك المعاني العامة من أخص أوصاف النفوس الإنسانية فمن أنكرها خرج عن حدود الإنسانية و دخل في حريم البهيميّة بل هم أضل سبيلا.
و أما الخطأ الثاني و هو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعينة و ذلك من أشنع المقالات فإن الشيء إنما يتميز عن غيره بأخص وصفه.
قيل له أخص وصف نوع الشيء غير و أخص وصف الذات المشار إليها غير فن الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا معينا تعيينا شخصيا و الجوهر المعين إنما يمتاز عن جوهر معين بتحيز مخصوص لا بالتحيز المطلق و قط لا يمتاز جوهر معين عن عرض معين بتحيز مخصوص إذ الجنس لا يميز الوصف عن الموصوف و العرض عن الجوهر و العقل إنما يميز بمطلق التحيز فعرف أن الذوات إنما تتمايز بعضها عن بعض تمايزا جنسيا نوعيا لا بأعم صفاتها كالوجود بل بأخص أوصافها بشرط أن تكون كلية عامة و لو أن الجوهر مائز العرض بوجوده كما مائزه بتحيزه لحكم على العرض بأنه متحيز و على الجوهر بأنه محتاج إلى التحيز لأن الوجود