نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٣٨
و إما مقارنة.
قيل له: قد عرفت على هذا مذهب الصفاتية أن الإرادة أزلية فهي سابقة على المراد ذاتا و وجودا و مقارنة لحال التجدد تعلقا و تخصيصا، و العلم يتبع الواقع و لا يوقع و القدرة توقع المقدور و لا تخصص و الإرادة تخصص الواقع على حسب ما علم بما علم و الصفة أزلية سابقة و المراد حادث متأخر و ليس يلزم على ذلك أن يسمى عزما فإن العزم توطين النفس بعد تردد و لو كان المريد للشيء متمنيا أو مشتهيا أو مائلا لوجب أن يقال العالم بالشيء معتقد ساكن النفس متروّ، و متفكر فبطل الاستدلال من هذا الوجه و ليس كل من علم شيئا أراده و لا كل من أراد شيئا قدر عليه بل كل من فعل شيئا فقد قدر عليه و من قدر على فعل شيء أراده و من أراده علمه فالإرادة تتبع العلم حتى يتصور أن يكون عالما و لا يكون مريدا و لا يتصور أن يكون مريدا و لا يكون عالما.
أما الرد على النجار: حيث قال: إنه مريد بمعنى أنه غير مغلوب و لا مستكره فيقال له فسرت حكما ثابتا ينفي كمن يفسر كونه قادرا بأنه غير عاجز و كونه عالما بأنه غير جاهل و ذلك مذهب المعطلة الفلاسفة ثم تجرد نفي العجز و الكراهية لا يقتضي كون الذات مريدا فإن كثيرا من الأجسام ينفى عنها العجز و الكراهية و لا يكون مريدا و كثير من المريدين كاره، كمن شرب الدواء على كراهية من طبعه و هو مريد له فالكراهية تضاد الطوع و أما القصد فقد يجامع الكراهية.
ثم نقول: كونه غير مغلوب و لا مستكره أمر مجمع عليه و إنما الكلام في أنا رأينا في الأفعال ما يدل على كون الصانع مريدا و هو اختصاص الأفعال ببعض الجائزات دون البعض و إهمال هذه القضية غير ممكن فما مدلول هذا الدليل.
فإن قلتم: مدلوله أنه غير مغلوب و لا مستكره [١].
فيقال: إنما استفدنا العلم بذلك من كونه قادرا على الكمال و الاختصاص لم يدل على القدرة بل الوقوع دل عليها فلم يكن للاختصاص مدلول و نحن إنما أثبتنا العلم بالصفات من الدلائل و إذا ثبتت هذه المسألة أخذنا في المسألة الثانية و هو كون الرب تعالى مريدا بإرادة قديمة.
فنقول: قد قام الدليل على أن معنى المريد هو ذو الإرادة كما قام الدليل على
[١] انظر: شفاء العليل لابن قيم (ص ١٧٦)، و المواقف للإيجي (٣/ ١٢٣)، و إيثار الحق على الخلق (ص ٢٥٥).