نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٨
فعل يفعله في محل بحيث يفهم من ذلك الفعل أنه يريد من المكلف فعلا و يكره فعلا تسليم المسألة فإن تلك الإرادة التي تتعلق بفعل الغير حتى يفعله إرادة تضمنت اقتضاء و حكما و إلا كانت تمنيا و تشهيا و ذلك الذي يسمى أمرا و نهيا و سميتموه إرادة و كراهية فإذا مدلول ذلك الفعل الذي أشاروا إليه هو الذي يسميه الشرع كلاما و أمرا و نهيا و على منهاج الحكم الفلسفية إذا انتهى الإبداع و الخلق إلى غاية تهيأت الأمزجة المعتدلة لقبول النفس الناطقة التي تفكر بالروية و تتصرف بالاختيار و كان من المختارين بهذه النفس على روية الحق و الصواب و اختيار الأفضل و الاجتناب عن الأرذل و منهم من يتوانى و يكسل حتى يبطل ذلك الاستعداد و يستعمله في جانب الباطل و الخطأ و اختيار الأرذل و الاجتناب عن الأفضل وجب أن يكون من عند الحكيم حكم على هذه النفس الناطقة و هي ملتبسة في هذا البدن الجسماني و حكم عليها و هي مفارقة له فذلك الحكم الأول هو الذي نعني به بأنه أمر و نهي و هذا الحكم الثاني هو الذي نعني به أنه وعد و وعيد و من نفى هذا الحكم فقد نفى كونه ملكا مالكا لملكه فيكون له خلق و لا يكون له أمر و يكون في جانب المخلوق كله جبرا و لا يكون اختيارا ثم يلزم أن تكون النفوس الناطقة كائنة فاسدة لا معاد لها و لا كمال و لا جزاء على أفعالها و لا ثواب و ذلك يبطل قضية الحكمة و نحن نرى من النفوس الحيوانية ما لا يتفاهم بعضها من بعض إلا بإحدى من الحواس الأربع و هي اللمس و الذوق و الشم و البصر و منها ما يتفاهم بها و بالسمع أيضا ثم منها ما يكون له مجرد الصوت من غير لحن و منها ما يكون له مع صوته لحن ثم من أصحاب الألحان ما يكون من ذوات الحروف المقطعة و منها ما لا يكون إلى أن يبلغ الأمر و الحال إلى ترصيع الكلمات من الحروف و ترتيب الحروف في الكلمات فيكون ذلك دلالة على ما في النفوس الناطقة و ليس كل مرتبة من هذه المراتب من جنس المرتبة التي قبلها لكنها كمالات النفوس بعد كمالات إلى أن تبلغ إلى النفس الناطقة الإنسانية فيحدس منها أن مرتبتها لما كانت فوق مرتبة سائر النفوس دل ذلك على أن مرتبة النفوس الروحانية و الأرواح الملكية فوق مرتبة هذه النفوس في التفاهم و كما لا تكون المرتبة التي للناطقة من جنس المرتبة التي للطير و البهائم كذلك لا تكون المرتبة التي للملائكة الروحانية من جنس المرتبة التي لنا بل تكون أشرف و ألطف غير أنا بهذا الجنس استدللنا على ذلك النوع كما استدللنا بنوع من الحدس في الأمور الغائبة على نوع من الحدس في أمور الغيب إلى أن يصل الكمال إلى حد من الخليقة فيقف الترتيب في المراتب فيستدل بذلك على أن أمر من له الخلق و الأمر فوق الأوامر النطقية الإنسانية و الفكر العقلية و أنه بوحدته فكر في معنى كل