نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١١١
فإن ذا الشيء قد يكون على سبيل الوصف و الصفة و قد يكون على سبيل الفعل و المفعول و قد يكون على سبيل الملك و المملوك أ ليس روي في التنزيل رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ [غافر: ١٥] ثم العرش خلقه و ملكه، و ليس صفة قائمة بذاته فما أنكرتم أن يكون معنى كونه ذا العلم و القدرة.
قال: قد يقتبس إثبات العلم و القدرة من كونه عالما و قادرا و قد يقتبس من كون الشيء معلوما و مقدورا.
فنقول: المتعلق بالمعلوم علم و المتعلق بالمقدور قدرة فإذا قام الدليل على كونه عالما بالمعلوم فيجب أن يكون عالما بالعلم.
و يحققه أن العلم إحاطة بالمعلوم و يستحيل أن تكون الذات محيطا أو متعلقا فيجب أن يكون للذات صفة إحاطة هي المحيطة المتعلقة بالمعلومات.
قالت المعتزلة: معلوم اللّه بكونه عالما لا بالعلم و لا بالذات و لا معنى لكون المعلوم معلوما إلا أنه غير مخفي على العالم كما هو عليه فليس ثم تعلق حسي أو وهمي حتى يحال به على العلم أو على الذات و قولكم العلم إحاطة بالمعلوم تغيير عبارة و تبديل لفظ بلفظ و إلا فالعلم و الإحاطة و التيقن عبارات عن معبر واحد و معنى كون الذات عالما أنه محيط، و كذلك معنى كونه محيطا أنه عالم و إنما وقعتم في إلزام لفظ الإحاطة لظنكم أن الإحاطة لو تحققت للذات كانت تلك الإحاطة كإحاطة جسم بجسم و ذلك الاشتراك في اللفظ و إلا فمعنى الإحاطة هو العلم و هو بكل شيء عليم محيط، و بكل شيء عليم، و على كل شيء قدير.
قالت الصفاتية: العقل الصريح يفرق بين كون الشيء معلوما و بين كونه مقدورا و كيف لا و كونه معلوما أعم من كونه مقدورا فإن المعلوم قد يكون قديما و قد يكون حادثا و واجبا و جائزا و مستحيلا، و كونه مقدورا ينحصر في كونه ممكنا جائزا ثم نسبة المعلوم إلى الذات من حيث هي ذات واحدة كنسبة المقدور من حيث هي ذات.
فنقول نسبة الذات إليهما على قضية واحدة عندكم أم تختلف النسبة فإن كان نسبة الذات إليهما على قضية واحدة فيلزم أن لا يكون أحدهما أعم، و الثاني أخص، و يجب أن يكون كل معلوم مقدورا كما كان كل مقدور معلوما و إن اختلف وجه النسبة بالأعم و الأخص علم أنه ما كان مضافا إلى الذات بل إلى صفة وراء الذات