نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٠٨
القاعدة السابعة عشرة في التحسين و التقبيح [١] و بيان أنه لا يجب على اللّه تعالى شيء من قبيل العقل و لا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع
مذهب أهل الحق: أن العقل لا يدل على حسن الشيء و قبحه في حكم التكليف من اللّه شرعا على معنى أن أفعال العباد ليست على صفات نفسية حسنا و قبحا، بحيث لو أقدم عليها مقدم أو أحجم عنها محجم استوجب على اللّه ثوابا أو عقابا، و قد يحسن الشيء شرعا و يقبح مثله المساوي له في جميع الصفات النفسية، فمعنى الحسن ما ورد الشرع بالثناء على فاعله و معنى القبيح ما ورد الشرع بذم فاعله، و إذا ورد الشرع بحسن و قبح لم يقتض قوله صفة للفعل و ليس الفعل على صفة يخبر الشرع عنه بحسن و قبح و لا إذا حكم به ألبسه صفة فيوصف به حقيقة و كما أن العلم لا يكسب المعلوم صفة و لا يكتسب عنه صفة كذلك القول الشرعي و الأمر الحكمي لا يكسبه صفة و لا يكتسب عنه صفة، و ليس لمتعلق القول من القول صفة كما ليس لمتعلق العلم من العلم صفة.
و خالفنا في ذلك الثنوية و التناسخية و البراهمة و الخوارج و الكرامية و المعتزلة فصاروا إلى أن العقل يستدل به حسن الأفعال و قبحها على معنى أنه يجب على اللّه الثواب و الثناء على الفعل الحسن و يجب عليه الملام و العقاب على الفعل القبيح و الأفعال على صفة نفسية من الحسن و القبيح، و إذا ورد الشرع بها كان مخبرا عنها لا مثبتا لها، ثم من الحسن و القبح ما يدرك عندهم ضرورة كالصدق المفيد و الكذب الذي
[١] انظر: شفاء العليل لابن القيم (ص ١٧)، و الصواعق المرسلة له (٢/ ٤٩٥) (٤/ ١٢٦١، ١٤٥٠)، و غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٦٥، ٢٣٣، ٢٤٤، ٣٣٠، ٣٥٨)، و الملل و النحل للمصنف (١/ ١٥، ٣٢)، و منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٤١٥) (٣/ ٢٨) (٥/ ١٢٧)، و العقيدة الأصفهانية (ص ٢٠٣)، و بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (ص ٢١٤)، و المواقف للإيجي (٢/ ١٣١، ٢٧٥، ٢٨٦، ٣٥٩، ٤٢٦)، الغنية في أصول الدين للنيسابوري (ص ١٣٧)، و مرهم العلل المضلة لليافعي (ص ٤٧، ٩٨، ٩٩).