نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٤٧
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [الأنعام: ١٤٨]، إذ لم يرد بذلك أمر و لا وجدوا في كتبهم بذلك تكليفا فرد عليهم بإثبات المشيئة بمعنى التخصيص بالوجود و التصريف للأمور فقال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: ١٤٩].
و قد تمحل أبو الحسن و أصحابه أمثلة في جواز تعلق الإرادة على خلاف الأمر منها أن نبيا لو علم من أحد الأمة أنه لو أمر بعشر خصال من الخير توانى فيها، و لو أمر بعشرين خصلة ثم حط عشرة منها لم يقصر فيأمره بالعشرين على إرادة امتثال العشرة فهو مأمور بخلاف المراد و مراد بخلاف المأمور، و مثل هذا قد وقع ليلة المعراج حيث أمر النبي بخمسين صلاة ثم ردت إلى خمس و منها أن رجلا لو اشتكى عند السلطان من عبيده بعصيانهم عليه، و قلة مبالاتهم فيستحضرهم الملك فيأمرهم المالك بشيء فهو يريد مخالفتهم إياه تصديقا لمقاله فذلك أمر على خلاف الإرادة و منها أن الرب تعالى أمر خليله إبراهيم بذبح الولد و هو يريد أن لا يحصل إذ لو أراد لحصل.
و للخصوم عن هذه الأمثلة اعتذارات، و لنا عنها غنية، و بما سبق من التحقيق كفاية و من غرق في بحر الحقيقة لم يطمع في شط و من تعالى إلى ذروة الكمال لم يخف من حط.
و قد تمسكت المعتزلة بكلمات من ظواهر الكتاب منها قوله تعالى: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: ٧]، و قوله: وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً [النساء: ٢٧] و قوله:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥] و قوله:
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧] و قوله: وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ [غافر: ٣١]، و قوله: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨]، و قوله: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [الأنعام: ١٤٨]، و قوله: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:
٥٦]، و أجابت الأشعرية بتأويلات و تخصيصات.
و أحسن الأجوبة أن نقول: إرادة اللّه و مشيئته أو رضاه و محبته لا تتعلق