نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٥٢
لطبع مجرد يجود بمثله و أيضا فما يشتمل عليه القرآن من قصص الأنبياء و المرسلين كيف جرت دعوتهم و من أين أجاب كلمتهم و من نكل عنهم إلى أي حال آل أمرهم فمن لم يسمع ذلك من أحد و لا خط كتابا بيمينه و لا طالع كتب الأنبياء و التواريخ و الأخبار معجز ظاهر و دليل على أن الحق باهر و هذا في قصة الماضين فما قولك في الإخبار عن الغيوب مما سيكون في ثاني الحال مما رأيناه طابق الحال و صدق المقال إذ أخبر أنه يظهره على الدين كله و قد أظهر و أخبر أنه غلبت الروم و قد تحقق و غير ذلك من الأخبار و كذلك ما اشتمل عليه القرآن من أنواع العبادات و المعاملات من أحكام الحلال و الحرام و الحدود و القصاص و الديات و أحكام السياسات إعجاز ظاهر إذ جمع فيها بين إصلاح المعاش و نجاة المعاد و بناها على قوانين كلية تجمع شمل العامة و تناظر عقل الخاصة و من قرأ الكتب المنزلة من التوراة و الإنجيل و الزبور تبين له الفرق الظاهر بينها و بين القرآن؛ إذ كل ما اشتملت عليه من الحقائق العقلية و الأحكام الشرعية على بسطها اشتمل عليه القرآن بأوضح عبارة و أوضح إشارة على اختصاصه و من أراد أن يتخطى عما أقررناه إلى مفردات الحروف و كيفيات تركيبها و ما فيها من الحكم و المعاني قضى منها العجب و بالجملة القرآن بصورة ألفاظه و عباراته معجز و بمعنى حقائقه و عجائبه معجب و هو دليل ظاهر على حقيقة ذاته و صدق المتحدي بآياته.
قال أهل الزيغ و الباطل لنا على مساق ما ذكرتموه من إعجاز القرآن سؤالان أحدهما أن القرآن بمعنى المقروء و المكتوب صفة قديمة عندكم و القديم لا يكون معجزا و بمعنى القراءة هو فعل القارئ و تلاوته و فعل العبد لا يكون معجزا.
فإن قلتم: إن الرب تعالى يخلقه في الحال من غير كسب النبي قيل و في أي محل يخلقه أ في لسانه و من المعلوم أن الحرف و الصوت القائم بلسانه و مخارج حروفه مقدورة له و المعجزة لا تكون مقدورة للعبد أم في محل آخر من شجرة أو لوح أو قلب ملك فالمعجزة ذلك المخلوق لا ما نطق به النبي فما هو معجزة لم نسمعه و ما سمعناه ليس بمعجزة فما الجواب عن هذا السؤال؟.
و الثاني: أنكم قلتم وجه إعجاز القرآن فصاحته و جزالته و نظمه و بلاغته فما حدود هذه المعاني أولا حتى نبين حقائقها فنتكلم عليها أ هي بأفرادها معجزة أم بمجموعها و قد رأيناكم اختلفتم في أن القرآن معجزة من جهة صرف الدواعي أم من جهة ما اشتمل عليه من بديع النظم و الفصاحة و من قال بالقسم الثاني اختلف في أن الفصاحة بديعة أم الجزالة أم النظم و من المعلوم الذي لا مرية فيه أن المعجز يجب أن يكون ظاهرا لكل من هو في حقه معجز ظهورا لا يستراب فيه البتة و من قال منكم إنه