نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٢٥
أن الغرض الذي عينتموه لم يحصل إذا قدرتم خلق العالم في الأقل من العقلاء و إن لم يقرر ذلك لم يحصل في الأكثر و الغرض إذا كان معلقا على اختيار الغير لم يصف عن شوائب الخلاف فلا يحصل على الإطلاق، ثم لو خلقهم و لم يكلفهم لا عقلا و لا سمعا و فوض الأمر إليهم ليفعلوا ما أرادوا يتضرر بذلك أم يلحقه نقص أو يثلم جلاله فعل أو ليست الطيور في الهواء و السوائم في الفلاة تغدو و تروح من غير تكليف فما السر في تخصيص بني آدم بالتكليف و لم ينتفع به و لا يتضرر بضده.
قالوا: ليأتي المكلف بما أمر به فيثيبه عليه و يعوضه عما فات عليه و يكون التذاذ المكلف بالثواب و العوض المرتبين على فعله أكثر من التذاذه بنفس التفضل و الكرم.
قيل يا للّه!!: العجب من حكمة ما أشرفها، و من سر ما أدقه تعبت عقولكم من شدة التعمق في استخراج المعاني فقد عادت حكمة اللّه تعالى في خلق السموات و الأرض بما فيها إلى أن يكون التذاذ المكلف بثواب يناله على عمله أكثر من التذاذه بتفضل يناله من غير عمل إنا إذا فحصنا عن الأغراض كان الغرض من خلق العالم هو الاستدلال و كان الغرض من الاستدلال حصول المعرفة و كان الغرض من حصول المعرفة وجوب الثواب و كان الغرض من الثواب حصول التفرقة بين لذتي المقابلة و العطية فغرض الأغراض من خلق العالم بما فيه من الجواهر و الأعراض ما لا يجوز أن يكون غرضا لعاقل و لا يقدر الخالق على أن يخلق لذة في التفضل أكثر مما يخلقها في الثواب و اللذات كلها مخلوقة للّه تعالى أولا ينادي المكلف يا رب مغفرتك أوسع من ذنوبي و رحمتك أرجى عندي من عملي يا من لا تنفعه المغفرة و لا تضره المعصية اغفر لي ما لا يضرك و أعطني ما لا ينفعك حتى يكون ابتهاجي برحمتك و مغفرتك ألطف من التذاذي بمعرفتي و طاعتي أو لا يعد من غاية اللؤم و ركاكة الهمة أن يهدي فقير هدية حقيرة إلى ملك كبير سجيته البذل و العطايا من غير سؤال و عرض هدية لنيل ثواب، ثم يوجب عليه العوض و يقول التذاذي بما يقابل هديتي أكثر من عطاياك التي لا تحصى انظر كيف عادت الحكمة الإلهية في خلق العالم بأسره عند القوم إلى أخس الدرجات في الهمة و أمس الحاجات إلى المرمة بحيث لا يرتضيه عاقل لإرمام بيته الكثيف، فكيف يرتضيه الفاطر لإحكام صنعه اللطيف فتعالى و تقدس.
و أما الآيات في مثل قوله تعالى: وَ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الجاثية: ٢٢]، فهي لام المآل و صيرورة الأمر و صيرورة العاقبة لا لام التعليل كما قال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص: ٨]،