نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٤٢
الباقين عند تعقبنا آراء أرباب المقالات إن شاء اللّه تعالى.
و أما المجوس فمذهبهم يدور على قاعدتين إحداهما: ذكر سبب امتزاج النور و الظلمة، و الثانية: ذكر سبب خلاص النور من الظلمة و الأولى هي المبدأ و الثانية هي المعاد، و ذلك أنه لما ألزم عليهم أن النور إذا كان ضد الظلمة جوهرا و طبعا و فعلا و حيزا و هما متنافران ذاتا و طبيعة فكيف امتزجا و ما الموجب لاجتماعهما حتى حصل الامتزاج و حصل بحصول الامتزاج صور هذا العالم ثم هل يبقى هذا الامتزاج أبد الدهر و يلزم عليهم كون أجزاء النور معذبة أبد الآبدين أو تتخلص يوما ما فما الموجب للخلاص.
فصار مدار المسألة معهم على تقدير هذين الركنين.
قالت طائفة منهم: إن النور فكّر في نفسه فكرة رديئة فحدث منها الظلام متشبثا ببعض أجزاء النور و هذا قول من قال بحدوث الظلام.
فيقال لهم: إذا كان النور خيرا لا شر فيه بوجه ما فما الموجب لحدوث الفكرة الرديئة فإن حدثت بنفسها فهلّا حدث الظلام بنفسه من غير أن ينسب إليه و إن حدث بالنور فالنور كيف أحدث أصل الشر و منبع الفساد فإنه إن كان كل فساد في العالم إنما انتسب إلى الظلام و الظلام انتسب إلى الفكرة كانت الفكرة مبدأ الشر و الفساد.
و من العجب أنهم احترزوا حتى لم ينسبوا شرا جزئيا إلى النور في الحوادث و لزمهم أن ينسبوا كل الشر و أصل الفساد إليه.
و من قال بقدم الظلام فالردّ عليه أن العقل يقضي ضرورة أن شيئين متنافرين غاية التنافر طبعا لا يمتزجان إلا بقاسر فإنهما لو امتزجا بذاتيهما بطل تنافرهما بذاتيهما و ما هو متنافر ذاتا لا يجوز أن يجتمع ذاتا فالذات الواحدة لا توجب اجتماعا و افتراقا و ذلك يقتضي ألا يحصل وجود ما و قد حصل فهو خلف.
و نقول أيضا الظلام لا يخلو إما أن يكون موجودا حقيقة أو لم يكن فإن كان وجوده وجودا حقيقيا فقد ساوى النور في الوجود و بطل الامتياز عنه من كل وجه و كذلك إن ساواه في القدم و الوحدة ثم الوجود من حيث هو وجود خير لا محالة فلم يكن الظلام شرا و إن لم يكن موجودا حقيقة فما ليس بموجود حقيقة كيف يكون قديما و كيف ينافي ضده و كيف يحصل منه امتزاج و كيف يحصل من امتزاجه وجود العالم.
و نقول أيضا عندكم وجود خير من شر و وجود شر من خير لا يتصور.
و من قال بحدوث الظلام فقد لزمه حدوث شر من خير ثم حدوث العالم من الامتزاج و ذلك حدوث خير من شر.