نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٧٦
يحدث كلاما لنفسه عند قراءة كل قارئ و عند كتابة كل كاتب و قد جحد الضرورة و كابر العقل فإن العاقل لا يشك أن الذي يسمعه من القارئ حروف و كلمات تخرج عن مخارجها على اختياره، و ليس يقارنه أمثالها حتى يكون كل حرف حرفين و كل كلمة كلمتين و كل آية آيتين، و إن كان فما محلها و قد اشتغلت المخارج بحروفها و من المحال اجتماع حرفين و كلمتين في محل واحد في حالة واحدة و الحروف لا وجود لها إلا على التعاقب و اجتماع حرفين و كلمتين في محل واحد غير معقول و لا مسموع و لا محسوس من جهة القارئ فهو محال.
ثم نقول القول الحق: إنا لا ننكر وجود الكلمات التي لها مفتتح و مختتم و هي آيات و أعشار و سور و يسمى الكل قرآنا و ما له مبتدأ و منتهى لا يكون أزليا و هو من هذا الوجه معجزة الرسول صلى اللّه عليه و سلم و يسمى ما يقرأ باللسان قرآنا و ما يكتب باليد مصحفا لكن كلامنا في مدلول هذه الكلمات و مقروء هذه القراءة أ هي صفة أزلية لا حادثة و واحدة لا كثيرة أم هي هذه فقط و لا مدلول لها و لا مقروء و لا مكتوب و بالاتفاق بيننا و بين الخصم كلام اللّه تعالى غير ما حل في اللسان من تحريك الشفتين و اللسان و الحلق بل هو معنى آخر وراء ذلك فنحن نعتقد أن ذلك المعنى واحد أزلي و أنتم تعتقدون أنه مثل هذا كثير حادث فانقطع الاستدلال بما يعرفه أهل الإجماع و كما أن كلامه أزلي واحد عندنا و ليس ذلك بين أظهرنا كذلك هو كلام آخر في محل آخر، و ليس ذلك بين أظهرنا عند الخصم فصار الاتفاق بالمقدمات المشهورة المعهودة لا اليقينية المقبولة المشهودة و تبين أن إطلاق لفظ القرآن على القراءة و المقروء باشتراك اللفظ و قد يسمى الدليل باسم المدلول و يطلق لفظ العلم على المعلوم كقوله تبارك و تعالى: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [البقرة: ٢٥٥]، أي بمعلومه و قال: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: ٧٨]، عني به الصلاة و القراءة فيها.
و الجواب الحق: أن الآيات التي جاء بها جبريل عليه السلام منزلا على الرسول صلى اللّه عليه و سلم كلام اللّه كما أن الشخص الذي تمثل به جبريل و تراءى و ظهر له سمي جبريل حتى يقول هذا كلام اللّه و هذا جبريل لأن ما أشير إليه بهذا و هذا هو مظهره، و أنت تقول:
كلامك هذا صحيح و غير صحيح و لا تشير إلى مجرد العبارة دون المعنى، بل تشير إلى العبارة على أنها مظهر المعنى و إلا فالصحة و الفساد إنما يدخلان على المعنى دون اللفظ، و الصواب و الخطأ يرد على اللفظ دون المعنى و قد تكون العبارة سديدة لغة و نحوا و يكون المعنى غير سديد و بالعكس من ذلك ثم يشار إلى العبارة و يراد