نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٤
جوهرا أحدث في ذاته إرادة حدوثه و ربما احترزوا عن لفظ أحدث فقالوا: حدثت له إرادة حدوثه و كاف و نون و إذا كان المحدث مسموعا حدث له تسمع و إذا كان مبصرا حدث له تبصر فتحدث له خمس من الصفات الحادثة بكل محدث أحدثه، و ربما احترزوا عن إطلاق لفظ الحلول و المحل، و إن أطلقوا الاتصاف بالحادث، و فرقوا بين المشيئة و الإرادة فقالوا مشيئة قديمة و إرادة حادثة و لذلك فرقوا بين التكوين و المكون و الإحداث و المحدث و الخلق و المخلوق فالخلق حادث في ذاته و المخلوق مباين و كذلك التكوين عبارة عن قوله كن و القول قائم بذاته و المكون مباين و كذلك كلامه تعالى صفات تحدث له و هي عبارات منتظمة من حروف و أصوات عند بعضهم و عند بعضهم من حروف مجردة فهو حادث ليس بقديم و لا محدث و أحالوا فناء ما حدث من الصفات في ذاته و لم يطلقوا لفظ التقدم و التأخر على الحروف و الكلمات و اجتهد محمد بن الهيصم منهم في كل مسألة من مسائل التشبيه حتى رد الخلاف فيها إلى ما يسوغ أن يذكر و لا يسفه غير مسألة الحوادث فإنه تركها على النكال الأول بعلم صاحبه أبي عبد اللّه الكرام.
لنا دليل شامل يعم إبطال مذاهب المشبهة جملة و على كل فرقة ممن عددناهم حجة خاصة و نقض على الانفراد فنبتدئ بالأعم.
و نقول التقدر بالأشكال و الصور و التغير بالحوادث و الغير دليل الحدوث فلو كان الباري سبحانه متقدرا بقدر متصورا بصورة متناهيا بحد و نهاية مختصا بجهة متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا إذ العقل بصريحه يقضي أن الأقدار في تجويز العقل متساوية فما من قدر و شكل يقدره العقل إلا و يجوز أن يكون مخصوصا بقدر آخر و اختصاصه بقدر معين و تميزه بجهة و مسافة يستدعي مخصصا و من المعلوم الذي لا مراء فيه أن ذاتا لم تكن موصوفة بصفة ثم صارت موصوفة فقد تغيرت عما كانت عليه و التغير دليل الحدوث فإذا لم يستدل على حدوث الكائنات إلا بالتغير الطارئ عليها و بالجملة فالتغير يستدعي مغيرا خارجا من ذات المغير و المقدر يستدعي مقدرا.
فإن قيل بم تنكرون على من يقول: إن القدر الذي اختص به نهاية و حد واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص، و المقادير التي هي في الخلق إنما احتاجت إلى مقدر لأنها جائزة و ذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة فلما كانت المقادير الخلقية مقدورة عرف جوازها و احتاج الجواز إلى مرجح فإذا لم يكن فوق الباري سبحانه قادر يقدر عليه لم تكن إضافة الجواز و إثبات الاحتجاج له ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان أ فهي واجبة له على هذا العدد أم جائز أن توجد صفة أخرى.