نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ١٥٤
أو لا في محل و لا قائل بكونه متكلما لنفسه من المعتزلة و غيرهم إذ لو كان يعم تعقله أزلا و أبدا، و لا قائل بكلام يخلقه لا في محل لأن في نفي المحل نفي الاختصاص، و فيه إبطال التفرقة بين ما يقوم بنفسه و بين ما لا يقوم بنفسه و من قال هو متكلم بكلام يحدثه في ذاته كما صارت إليه الكرامية فقد سبق الرد عليهم و من قال هو متكلم بكلام يخلقه في محل كما صار إليه المعتزلة فقد خالف قضية العقل فإن الكلام لو قام بمحل لكان المحل متصفا به دون غيره من الفاعل و غيره كما لو تحرك متحرك بحركة يخلقها اللّه لم يرجع أخص وصفها إلى الفاعل، و كذلك سائر الأعراض فبقي أنه متكلم بكلام قديم أزلي يختص به قياما و وصفا و ذلك ما أثبتناه.
قالت الفلاسفة و الصابئة: قولهم الحي يصح منه الاتصاف بالكلام لأنه لو لم يتصف به لا تصف بضده و كثيرا يطردون هذا الدليل في سائر الصفات، و هي دعوى مجردة لا برهان عليها إلا الاسترواح إلى الشاهد و نحن نورد عليكم نقضا لهذه القاعدة حتى يتبين أن اعتذاركم عن النقض اعتذارنا عن هذه الدعوى، و ذلك أن الحي يصح منه الاتصاف بالحواس الخمس ثم الثلاث منها كالشم و الذوق و اللمس يصح في الشاهد و يصح وصفه بها و الاتصاف بها كما يصح منه الاتصاف بالسمع و البصر و الكلام ثم لم يجز طرد ذلك كله في الغائب و لا يقال إنه لو لم يتصف بها كان موصوفا بضدها بل يجب أن يقال يتعالى الحق عنها و عن أضدادها كذلك قولنا في السمع و البصر و الكلام و اعتذاركم إن اتصال الأجرام بتلك الحواس شرط في الشاهد، كذلك اعتذارنا أن البنية و اتصال الأجرام و اصطكاكها شرط في الشاهد، فلا يجوز أن يوصف الحي بها و لا بضدها جميعا و كثيرا ما يكون من الصفات كمالا في الشاهد و نقصانا في الغائب فبقيت الحجة الأولى عرية عن البرهان، و أما قولكم إن الرب تعالى ملك مطاع ذو أمر و نهي فمسلم لكنكم معاشر المتكلمين أنتم منازعون في إثبات الكلام له هو أمر و نهي على وجه يتصف به إما قياما بذاته و إما قياما بغيره، فإنا نقول: هو ملك مطاع و له أمر و نهي لا على طريق قولي بل على طريق فعلي و هو تعريف المأمور خبرا أن الفعل المأمور به واجب الإقدام عليه بأن يخلق له معرفة ضرورية أن الأمر كذلك إما أن يتكلم بكلام يخلقه في محل أو يتكلم أزلا و أبدا بكلام يسمع في حال و لا يسمع في حال فهو من أمحل المحال و هذا لأن تصريفه تعالى جواهر الخلائق بالفعل على وجه ينقاد له طوعا و كرها لما خلقه له و قدره فيه نازلا منزلة القول أ لستم تقرءون في كتابكم ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ