نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٢٣٧
من نفسه عجزا مع استمرار عادته بمثل ذلك التحدي فيقول النبي: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الأعراف: ١٥٨]، و آية صدقي أن لا يعارضني معارض في نفس دعواي هذه و النفوس متطلعة و الألسن سليمة و الدواعي باعثة فتتحير العقول و تنحصر الألسن و تتراجع الدواعي و تنمحق الدعاوي لست أقول لا ينكره منكر بل أقول لا يعارضه معارض بمثل التحدي و الدعوى فيقول لا بل إني رسول اللّه إليكم و لهذا لم نجد في قصص الأنبياء من عارضهم بمثل دعواهم في حال التحدي و لا استمرت هذه الدعوى لأحد من بعدهم، و لا يلتفت إلى ما يحكى عن مسيلمة الكذاب أنه ادعى الرسالة عن اللّه تعالى، فإن من كتب إلى نبي اللّه أما بعد: فإن الأرض بيني و بينك نصفين لم يكن معارضا له في نفس دعواه، بل مسلما له من وجه و متحكما من وجه، و من ادعى الرحمانية في الحالة الثانية لم يكن ثابت القدم على الدعوى الأولى، و كان من حقه لو كان منازعا له أن يقول: إني عبد اللّه و نبيه لا شريك اللّه في الرحمانية و شريك رسوله في الأرض فاعرف هذه الدقيقة فإن فيها سرا و غورا.
ثم الجواب عن شبهات المنكرين أن نقول: قولكم إن اقتران المعجزة بدعوى المدعي لا ينتهض دليلا على صدقه، فإن نفس الاقتران بالإضافة إلى دعواه أو إلى غيرها من الأفعال أو الأقوال بمثابة واحدة.
فنقول: سبيل تعريف اللّه تعالى عباده صدق الرسل بالآيات الخارقة للعادة كسبيل تعريفه إياهم إلهيته بالآيات الدالة عليها، و التعريف قد يكون بالقول تارة و قد يكون بالفعل أخرى و التعريف بالقول قد يكون إخبارا عن صدقه كقوله تعالى للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠]، و قد يكون تنبيها على صدقه بتعجيز الخلق عن معارضته كما علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة و كما علم المصطفى صلى الله عليه و سلم القرآن و قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، فكما عجزت الملائكة عن معارضة آدم بالأسماء عجزت العرب و العجم عن معارضة المصطفى بآيات القرآن، و دلت الأسماء و الآيات على صدق النبي الأول و النبي الآخر، و لما ثبت صدق الأول كان مبشرا بمن بعده إلى الآخر، و لما ثبت صدق الآخر كان هو مصدقا لمن قبله إلى الأول فكانت الأقوال متواصلة و العلوم متواترة و الكلمات متفقة و الدعوات متحدة و الكتب و الصحف متصادقة و السيوف على رقاب المنكرين قائمة، و من اصطفاه اللّه عز و جل لرسالته من عباده و اجتباه لدعوته كساه ثوب جمال في ألفاظه و أخلاقه و أحواله ما يعجز الخلائق عن معارضته بشيء من ذلك، فيصير جميع حركاته