نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٩٣
جوهر في حيز كذا أو عدم كل عرض في محل كذا إلى ما لا يتناهى أشياء ثابتة في العدم فإن ذلك خروج عن قضايا العقل و تيه في مفازة الجهل و أما إلزام الوجود من حيث هو وجود و التحيز و قبول العرض و جميع الصفات التابعة للحدوث فمتوجه، و الاعتذار بأنه منفي و ليس بثابت و لا شيء نقض صريح لمذهبهم فإن كل معلوم أمكن الإخبار عنه و تعلق العلم به فهو شيء ثابت عندهم و يا ليت شعري إذا لم يمكن الإخبار عن الوجود و لم يمكن تعلق العلم به فمن أي شيء يخبر و عن أي شيء يعلم و ليس ذلك كالمحال الذي تمثلوا به على أن المحالات مما يعلم و يخبر عنها فهلا كانت أشياء حتى يلزم أن يكون عدم الإلهية أشياء ما و العالم بما فيه من الجواهر و الأعراض أشياء ثابتة في الأزل و كما لا تتناهى المعلومات لا تتناهى الأشياء بأجناسها و أنواعها و أصنافها و العياذ باللّه من مذهب هذا مآله، و أما كلامكم في الصفات الذاتية أنها لا تحصل بفعل الفاعل، و إنما الوجود من حيث هو وجود متعلق بالقدرة فشيء ما سمعوه و لم يفهموه و ما أحسنوا إيراده لأنهم لم يتحققوا إصداره.
و أجابت النفاة بأن قالوا: وجود الشيء و عينه و ذاته و جوهريته و عرضيته عندنا عبارات عن معبر واحد و ما أوجده الموجد فهو ذات الشيء و القدرة تعلقت بذاته كما تعلقت بوجوده و أثرت في جوهريته كما أثرت في حصوله و حدوثه و التميز بين الوجود و بين الشيئية مما لا يئول إلى معنى و معنى بل إلى لفظ و لفظ و هم على اعتقاد أن الأجناس و الأنواع و العموم و الخصوص فيها راجع إلى الألفاظ المجردة أو الوجوه العقلية و التقديرات الوهمية و ألزموا عليهم الصفات التابعة للحدوث كالتحيز و قبول العرض و قيام العرض بالمحل فإنها ليست من آثار القدرة، ثم لم يثبتوها قبل الحدوث فهلا قالوا الصفات الذاتية كلها تتبع الحدوث أيضا و ربما عكسوا عليهم الأمر في التابع و المتبوع و ألزموهم القول بأن التحيز يقع بالقدرة و الوجود يتبعه.
و أجابوا عن سؤال التخصيص و التمييز بالمعارضة و هو أن الجواهر و الأعراض لو ثبتت في العدم بغير نهاية لم تحقق القصد إلى بعضها بالتخصيص و ليس يندفع الإشكال بهذا الجواب بل يزيده قوة و لزوما.
و الحق أن هذه المسألة مبنية على مسألة الحال، و قد دارت رءوس المعتزلة في هاتين المسألتين على طرفي نقيض فتارة يعبرون عن الحقائق الذاتية في الأجناس و الأنواع بالأحوال و هي صفات و أسماء ثابتة للموجودات لا توصف بالوجود و لا بالعدم و تارة يعبرون عنها بالأشياء، و هي أسماء و أحوال ثابتة للمعدومات لا تخص بالأخص و لا تعم بالأعم و ذلك أنهم سمعوا كلاما من الفلاسفة و قرءوا شيئا من كتبهم