نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٩٨
نفس المقدر فإن المقدر لو قدر عدمه لم ينعدم الإمكان فيتعين أنه في شيء ما خارج عن الذهن و لا يخلو إما أن يكون موجودا أو معدوما و محال أن يكون معدوما فإن المعدوم قبل و المعدوم مع شيء واحد و ليس الإمكان قبل هو الإمكان مع، و إن كان موجودا فإما أن يكون قائما في موضوع، و إما أن يكون قائما لا في موضوع فكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود خاص لا يجب أن يكون به مضافا و إمكان الوجود بما هو إمكان أمر مضاف لما هو إمكان له، فهو إذا أمر في موضوع عارض لموضوع و نحن نسميه قوة الوجود و الذي فيه قوة وجود الشيء و الموضوع و المادة و الهيولى قالوا و الإمكان قد يعرى عن الوجود لأنه لو تحقق وجود كل ممكن لحصلت موجودات بغير نهاية، فالعلم قد سبقه إمكان الوجود و قد سبقه الهيولى التي فيها الإمكان و الإمكان لم يكن في الأزل فالهيولى لم تكن في الأزل فتصور وجود العالم حيث تحقق الهيولى و تحقق الهيولى حيث تحقق الإمكان، و الإمكان و الوجوب لا يجتمعان [١].
و هذا دليل أفلاطن إلهي في حدوث العالم بصورته و هيولاه قال: و كما تصور وجود موجودات كلية في العقل تصور وجود موجودات كلية في الخارج عن العقل و هي حقائق مختلفة تختلف بالخواص كالعقول السماوية.
و قال أصحاب الصور: هذا البرهان صحيح في الموجودات الزمانية لكن كما لا يتحقق إمكان إلا في مادة لا تتصور مادة إلا متصورة بصورة فإنها إن كانت عرية عن الصور كلها كان لا يتحقق نحوها قصد الفاعل حتى يفيض عليها الصور إذ لا حيث لها و لا وضع و لا أين و كما أن الإمكان ليس شيئا متقوما إلا بالهيولى و الهيولى ليس شيئا متقوما إلا بالصورة فيقوم الهيولى بالصورة و تقوم الصورة بواهب الصورة و ليس تنفك إحداهما عن الثانية بحال أصلا.
برهان آخر: لو قدرنا الهيولى موجودة متقومة فإما أن يقال هي واحدة أو كثيرة فإن كانت واحدة ثم صارت اثنين أ فبانضمام آخر إليه أم بتكثير ذلك الواحد في نفسه من غير انضمام من خارج فإن قدر الأول فهما جوهران انضم أحدهما إلى الثاني و يكون الهيولى اثنين و ما تحقق فيه الاثنينية قبل القسمة إما بالانفصال إذا كانا متصلين و إما بالعدد إذا كانا مقدارين و كل ذلك صورة و إن تكثر الواحد في نفسه من غير انضمام من خارج كان حين كان واحدا لم يقبل القسمة ثم صار قابلا للقسمة فتكون
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (٢/ ١٨٠)، و المواقف للإيجي (١/ ٣٦١، ٣٨٠)، و منهاج السنة لابن تيمية (١/ ٢٧٩، ٢٨٨).