نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٩٥
و ليس يريده الموجد إلا و يعلمه قبل إيجاده فيتخصص وجوده وجودا عرضا جوهرا في علم الموجد فالمعلوم يتخصص مرادا و المراد يتخصص وجودا هو بعينه جوهر إلا أنه في ذاته يكون شيئا فيخصصه الوجود بعد الشيء حتى تتخصص الشيئية الخارجة جوهرا و تتخصص الجوهرية العامة الخارجة بهذا الجوهر و أيضا فإن الوجود أعم صفات الموجودات و إيجاد الأعم لا يوجب وجود الأخص فلو كان البياض مثلا منتسبا إلى الموجد من حيث وجوده فقط لكان يكون موجودا لا بياضا بل لو عكس الأمر و قلب الحال فقيل أوجده سوادا أو بياضا و انتسبت البياضية إلى الموجد فقط و لكن من ضرورة وجود الأخص وجود الأعم كان أمثل من حيث العقل و لذلك نقول إن البياض يضاد السواد ببياضيته فإذا انتفى السوادية انتفى الوجود إذ ليس من قضية العقل انتفاء السوادية و بقاء الوجود و عند القوم أن المعدوم عادم لوجوده كما أن الموجود واجد لوجوده فيلزم على ذلك أن لا يوجد بياض و لا يعدم سواد و لا يتحقق جوهر و لا يتخصص عرض.
و العجب كل العجب من مثبتي الأحوال أنهم جعلوا الأنواع مثل الجوهرية و الجسمية و العرضية و اللونية أشياء ثابتة في العدم لأن العلم قد تعلق بها و المعلوم يجب أن يكون شيئا حتى يتوكأ عليه العلم ثم هي بأعيانها أعني الجوهرية و العرضية و اللونية و السوادية أحوال في الوجود ليست معلومة على حيالها و لا موجودة بانفرادها فيا له من معلوم في العدم يتوكأ عليه العلم و غير معلوم في الوجود و لو أنهم اهتدوا إلى مناهج العقول في تصورها الأشياء بأجناسها و أنواعها لعلموا أن تصورات العقول ماهيات الأشياء بأجناسها و أنواعها لا تستدعي كونها موجودة محققة أو كونها أشياء ثابتة خارجة عن العقول أو ما لها بحسب ذواتها أو أجناسها و أنواعها في الذهن من المقومات الذاتية التي تتحقق ذواتها بها لا تتوقف على فعل الفاعل حتى يمكن أن تعرف هي و الوجود لا يخطر بالبال فإن أسباب الوجود غير و أسباب الماهية غير و لعلموا أن إدراكات الحواس ذوات الأشياء بأعيانها و أعلامها تستدعي كونها موجودة محققة و أشياء ثابتة خارجة عن الحواس و ما لها بحسب ذواتها من كونها أعيانا و أعلاما في الحس من المخصصات العرضية التي تحقق ذواتها المعينة بها هي التي تتوقف على فعل الفاعل حتى لا يمكن أن توجد هي عرية عن تلك المخصصات فإن أسباب الماهية غير و أسباب الوجود غير و لما سمعت المعتزلة من الفلاسفة فرقا بين القسمين ظنوا أن المتصورات في الأذهان هي أشياء ثابتة في الأعيان فقضوا بأن المعدوم شيء و ظنوا بأن وجود الأجناس و الأنواع في الأذهان هي أحوال ثابتة في الأعيان فقضوا بأن