نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٨٠
في حكم محل واحد فتوصف بالحال، و عند القاضي أبي بكر رحمه اللّه لا يوصف بالحال إلا الجزء الذي قام به المعنى فقط و أما القسم الثاني فهو كل صفة إثبات لذات من غير علة زائدة على الذات كتحيز الجوهر و كونه موجودا و كون العرض عرضا و لونا و سوادا و الضابط أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره فإنما يتميز بخاصية هي حال، و ما تتماثل المتماثلات به و تختلف المختلفات فيه فهو حال و هي التي تسمى صفات الأجناس و الأنواع و الأحوال عند المثبتين ليست موجودة و لا معدومة و لا هي أشياء و لا توصف بصفة ما و عند ابن الجبائي ليست هي معلومة على حيالها و إنما تعلم مع الذات، و أما نفاة الأحوال فعندهم الأشياء تختلف و تتماثل لذواتها المعينة، و أما أسماء الأجناس و الأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ الدالة عليها فقط و كذلك خصوصها و قد يعلم الشيء من وجه و يجهل من وجه و الوجوه اعتبارات لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات و هذا تقرير مذهب الفريقين في تعريف الحال.
أما أدلة الفريقين فقال المثبتون: العقل يقضي ضرورة أن السواد و البياض يشتركان في قضية و هي اللونية و العرضية و يفترقان في قضية و هي السوادية و البياضية فما به الاشتراك غير ما به الافتراق أو غيره فالأول سفسطة و الثاني تسليم المسألة.
و قال النفاة: السواد و البياض المعنيان قط لا يشتركان في شيء هو كالصفة لهما بل يشتركان في شيء هو اللفظ الدال على الجنسية و النوعية و العموم و الاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال للسواد و البياض، فإن حالتي العرضين يشتركان في الحالية، و لا يقتضي ذلك الاشتراك ثبوت حال للحال فإنه يؤدي إلى التسلسل فالعموم كالعموم و الخصوص كالخصوص [١].
قال المثبتون: الاشتراك و الافتراق قضية عقلية وراء اللفظ، و إنما صيغ اللفظ على وفق ذلك و مطابقته و نحن إنما تمسكنا بالقضايا العقلية دون الألفاظ الوضعية و من اعتقد أن العموم و الخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد فقد أنكر الحدود العقلية للأشياء و الأدلة القطعية على المدلولات و الأشياء لو كانت تتمايز بذواتها و وجودها بطل القول بالقضايا العقلية، و حسم باب الاستدلال بشيء أولى على شيء مكتسب متحصل و ما لم يدرج في الأدلة العقلية عموما عقليا لم يصل إلى العلم بالمدلول قط و ما لم يتحقق في الحد شمولا بجميع المحدودات لم يصل إلى العلم بالمحدود.
[١] انظر: غاية المرام (ص ٣٥، ٥٠)، و مقالات الإسلاميين (ص ٣٧٢)، و الملل و النحل للمصنف (٢/ ٢٠٢)، و المواقف للإيجي (١/ ٤١٠، ٤١٥).