نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٩
القاعدة السادسة في الأحوال [١]
اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفيا و إثباتا بعد أن أحدث أبو هاشم بن الجبائي رأيه فيها و ما كانت المسألة مذكورة قبله أصلا فأثبتها أبو هاشم و نفاها أبوه الجبائي و أثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه اللّه بعد ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه و نفاها صاحب مذهبه الشيخ أبو الحسن الأشعري و أصحابه رضي اللّه عنهم و كان إمام الحرمين من المثبتين في الأول و النافين في الآخر، و الأحرى بنا أن نبين أولا: ما الحال التي توارد عليها النفي و الإثبات، و ما مذهب المثبتين فيها، و ما مذهب النافين، ثم نتكلم في أدلة الفريقين، و نشير إلى مصدر القولين و صوابهما من وجه و خطئهما من وجه.
أما بيان الحال و ما هو: اعلم أنه ليس للحال حد حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدها و حقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال، فإنه يؤدي إلى إثبات الحال للحال بل لها ضابط و حاصر بالقسمة و هي تنقسم إلى ما يعلل و إلى ما لا يعلل و ما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات و ما لا يعلل فهو صفات ليس أحكاما للمعاني.
أما الأول: فكل حكم لعلة قامت بذات يشترط في ثبوتها الحياة عند أبي هاشم ككون الحي حيا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا لأن كونه حيا عالما يعلل بالحياة و العلم في الشاهد فتقوم الحياة بمحل و توجب كون المحل حيا و كذلك العلم و القدرة و الإرادة و كل ما يشترط في ثبوته الحياة و تسمى هذه الأحكام أحوالا و هي صفات زائدة على المعاني التي أوجبتها و عند القاضي رحمه اللّه كل صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ثبوته الحياة أو لم يشترط ككون الحي حيا و عالما و قادرا و كون المتحرك متحركا و الساكن ساكنا و الأسود و الأبيض إلى غير ذلك و لابن الجبائي في المتحرك اختلاف رأي و ربما يطرد ذلك في الأكوان كلها و لما كانت البنية عنده شرطا في المعاني التي تشترط في ثبوتها الحياة و كانت البينة في أجزائها
[١] انظر: غاية المرام في علم الكلام للآمدي (ص ٣٦)، و التعريف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي (ص ٨٩، ١١١) و بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٥٣٣)، و المواقف للإيجي (٢/ ٢٣٥، ٢٤٥)، و الغنية في أصول الدين لأبي سعيد النيسابوري (ص ١٠٧)، و الرد على القائلين بوحدة الوجود للقارئ (ص ٨٥)، و نعمة الذريعة في نصرة الشريعة (ص ٧٣).