نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٤
القاعدة الخامسة في إبطال مذهب التعطيل و بيان وجوه التعطيل
و قد قيل: إن التعطيل ينصرف إلى وجوه شتى فمنها تعطيل الصنع عن الصانع و منها تعطيل الصانع عن الصنع، و منها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات الأزلية الذاتية القائمة بذاته، و منها تعطيل الباري سبحانه عن الصفات و الأسماء أزلا، و منها تعطيل ظواهر الكتاب و السنة عن المعاني التي دلت عليها.
أما تعطيل العالم عن الصانع [١] العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد، و لا أعرف عليه صاحب مقالة إلا ما نقل عن شرذمة قليلة من الدهرية أنهم قالوا: العالم كان في الأزل أجزاء مبثوثة تتحرك على غير استقامة و اصطكت اتفاقا فحصل عنها العالم بشكله الذي تراه عليه و دارت الأكوار و كرت الأدوار و حدثت المركبات و لست أرى صاحب هذه المقالة ممن ينكر الصانع، بل هو معترف بالصانع لكنه يحيل سبب وجود العالم على البحث و الاتفاق احترازا عن التعليل، فما عددت هذه المسألة من النظريات التي يقام عليها برهان، فإن الفطر السليمة الإنسانية شهدت بضرورة فطرتها و بديهة فكرتها على صانع حكيم عالم قدير أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [إبراهيم: ١٠]، وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]، و إن هم غفلوا عن هذه الفطرة في حال السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [يونس: ٢٢]، وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ
[١] انظر: شرح قصيدة ابن قيم لإبراهيم بن عيسى (٢/ ٢٤٠، ٢٤٣)، و منهاج السنة النبوية (١/ ٤١٠).