نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧٣
أما الإثبات فعلى أصلكم لم يوصف الباري سبحانه بالحوادث في ذاته فكيف يصح على مذهبكم أنه صار سميعا بصيرا و إن التزمتم الاتصاف فقد سلمتم لنا المسألة فإن الاتصاف بصفة لم يكن قبل صريح التغيير و التغيير دليل الحدوث و هذه الحوادث باقيات على مذهبكم و المتعلقات فانية و إثبات صفة من الصفات المتعلقة يتأخر تعلقها أو متعلقها غير مستحيل كالعلم و القدرة و المشيئة أما إثبات صفة باقية يتقدم تعلقها أو متعلقها فهو مستحيل فإنه إذا أراد وجود العالم بإرادة حادثة في ذاته و وجد العالم و بقي و فني فهو مريد أبد الدهر و قائل كن أبد الدهر لشيء قد تكون و فني و سامع لصوت و حرف قد مضى و انقضى و بصير لجسم و لون قد انقرض في غاية الاستحالة.
و نقول هذه الحروف التي أثبتموها هي حروف مجردة من غير أصوات أم هي حروف هي تقطيع أصوات فإن أثبتموها حروفا من غير أصوات فهي غير مسموعة و لا هي معقولة فإن حقيقة الحرف تقطيع صوت و الصوت بالنسبة إلى الحروف كالجنس بالنسبة إلى النوع و العرض بالنسبة إلى اللون فإن أثبتوا حروفا هي أصوات مقطعة فلا بد لها من اصطكاكات أجرام حتى يتحقق الصوت [١]، فإن اصطكاك الأجرام كالنوع بالنسبة إلى الحركة و الصوت كالنوع بالنسبة إلى الاصطكاك و لا بد من حركة حتى يتحقق اصطكاك أو تفكيك، و لا بدّ من اصطكاك حتى يتحقق الصوت، و لا بدّ من صوت حتى يتحقق حرف، و لا بدّ من حرف حتى تتحقق كلمة، و لا بدّ من كلمة حتى يتحقق قول تام، و لا بدّ من قول حتى تتحقق قصة و حكاية فيلزم على ذلك أن يكون الباري جسما متحركا ذا اصطكاك في أجزاء جسمية، و يتعالى الرب سبحانه عن ذلك علوا كبيرا.
و قد تخطى بعض الكرامية إلى إثبات الجسمية: فقال أعني بها القيام بالنفس و ذلك تلبيس على العقلاء و إلا فمذهب أستاذهم مع اعتقاد كونه محلا للحوادث قائلا بالأصوات مستويا على العرش استقرارا مختصا بجهة فوق مكانا و استعلاء فليس ينجيه من هذه المخازي تزويرات ابن هيصم [٢]، فليس يريد بالجسمية القائم بالنفس و لا بالجهة الفوقية علاء و لا بالاستواء استيلاء و إنما هو إصلاح مذهب لا يقبل الإصلاح و إبرام معتقد لا يقبل الإبرام و الإحكام و كيف استوى الظل و العود أعوج و كيف استوى المذهب و صاحب المقالة أهوج و اللّه الموفق.
[١] انظر: غاية المرام للآمدي (ص ٩٢).
[٢] انظر: الفرق بين الفرق (ص ٨٧)، و أبو بهيس هيصم بن عامر، و تنسب له البيهسية.