نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٧١
و الفرق بينهما من حيث اللغة: أن أحدهما لازم و الثاني متعد لا ينتهض، فرق من حيث العقل فإنا إذا قلنا: قام و قعد و جاء و ذهب كان الحكم لازما و القيام و القعود و المجيء و الذهاب فعله و مفعوله كما هو فعله و العقل لا يفرق بين فعل الإنسان شيئا في نفسه و بين فعله في غيره على مذهب من قال به، و من قال إن الفعل لا يباين محل القدرة فلم يفرق فيه بين الفعل و المفعول و لا متمسك في هذه المسألة إلا بأمر لغوي و لفظ اصطلاحي.
و قد ألزم عليه الفلسفي إلزاما لا محيص له عنه فقال: كل ذات لم يحدث فيها معنى ثم حدث فيها قبل الحدوث استعداد القبول و صلاحيته و قوته ثم إذا حدث فيها القبول تبدل الاستعداد بالوجود و الصلاحية بالحصول و القوة بالفعل و يلزم أن يكون في ذاته معنى ما بالقوة ثم معنى ما بالفعل و ذلك بعينه هو الهيولي و الصورة، و قد أثبتوا للّه سبحانه و تعالى قبل خلق العالم خصائص الهيولي و هي طبائع عدمية، فإن الاستعداد و الصلاحية عدم شيء من إثباته أن يكون شيئا و واجب الوجود لذاته منزه عن طبيعة الإمكان و العدم اللذان هما منبع الشر.
و أما طرق الإلزام عليهم: فمنها إن قالوا قول اللّه سبحانه و تعالى و إرادته من جنس قولنا و إرادتنا ثم لقوله و إرادته مفعولات مثل العالم بما فيه من السموات و الأرض فيلزم أن يحصل بإرادتنا و قولنا مثل ذلك فإن قوله كن كاف و نون من جنس أقوالنا من غير فرق.
فإن قيل: إنما حصل قوله بمباشرة قدرته و إرادته و مشيئته القديمة، و قولنا: لم يحصل بهما و قوله في ذاته قول له لا لغيره و قد قصد به التكوين لا بغيره.
قيل له: إن كان هذا فرقا فلم يكن قوله إذا من جنس أقوالنا بل الحق أن القول إذا حدث بعد أن لم يكن فهو كقولنا الحادث بعد أن لم يكن و لم يكن لإضافته إلى القدرة أثر بعد الحدوث فإنه إنما أثر في حال الانفصال عن القدرة لا في حال تعلق القدرة به، و إنما أثرت القدرة في حصول ذاته فقط لا في شيء آخر يحدث به، و عن هذا لو أحدث قولا لنفسه في شجرة و قصد به التكوين لم يحصل به شيء، فبطل قولهم إنما قصد به الإحداث و بطل ما اعتذروا به و حصل أن قوله لا ينبغي أن يوجد كقولنا أو قولنا يوجد كقوله إذ لا فرق بين قول و قول في الحدوث و الحروف و الأصوات و الاحتياج إلى المحل بل قولنا أوكد فإنه إذا قام بمحل اتصف المحل به و تحققت له النسبة إلى المحل و عندكم قول اللّه سبحانه قائم به من غير أن تتصف به الذات و لم تتحقق له نسبة إلى الذات إلا مجرد الإضافة، و قد انقطع حكمه عن القدرة القديمة فإنه إنما يوجد