نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٩
و إما تقديرا يجوز أن يوجد عليه تصورا، قيل: إن الباري سبحانه بجهة من العالم فيكون لا محالة محيطا بكل العالم، و إلا فيخلو عن ذاته طرف من جهات الفوق و عندهم هو فوق العالم بأسره فهو خلف فيلزم عليه فوقا بالنسبة إلى من هو على الأرض على موازاة القطب الشمالي و تحت بالنسبة إلى من هو عليها على موازاة القطب الجنوبي بل يكون بعض منه فوقا و بعض منه تحتا و ذلك محال، و إما تعلق القلوب بالسماء و رفع الأيدي إليها و المعراج إليها فمقابل بتعلق الرءوس بالأرض وضع الأيدي عليها و النزول إليها بل العرش قبلة الدعاء و الأرض مسجد الصلاة و الكعبة و جهة الوجه و موضع السجود قبلة العين و أقرب ما يكون العبد من الرب إذا كان في السجود و اسجد و اقترب.
و مما أوجب التشبيه: قيام الحوادث بذاته سبحانه و قد ذهبت الكرامية إلى جواز ذلك و من مذهبهم إنما يحدث من المحدثات فإنما يحدث بإحداث الباري سبحانه، و الإحداث عبارة عن صفات تحدث في ذاته من إرادة لتخصيص الفعل بالوجود، و من أقوال مرتبة من حروف مثل قوله كن و أما سائر الأقوال كالإخبار عن الأمور الماضية و الآتية و الكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام و القصص و الوعد و الوعيد و الأحكام و الأوامر و النواهي و التسمعات للمسموعات و التبصرات للمبصرات فتحدث في ذاته بقدرته الأزلية و ليست هي من الإحداث في شيء [و على طريقة] إنما الإحداث في الخلق على مذهب أكثرهم قول و إرادة و القول هما صورتان هما حرفان و على طريقة محمد بن الهيصم الإحداث إرادة و إيثار و ذلك مشروط بالقول شرعا و جوز بعضهم تعلق إحداث و احد بمحدثين إذا كانا من جنس واحد، و أكثرهم على أن لكل محدث إحداثا فيحدث في ذاته لكل محدث خمس صفات إرادة و كاف و نون و تسمع و تبصر و قد أثبتوا مشيئة قديمة تتعلق بالحادث و المحدث و الإحداث و الخلق ثم قالوا هذه الحوادث لا تصير صفات للّه تعالى و إنما هو خالق بخالقيته لا بخلق مريد بإرادته، لا بإرادة قائل بقائليته و هي واجبة البقاء و يستحيل عدمها بعد وجودها في ذاتها [١].
و للمتكلمين عليه طريقان في الكلام أحدهما البرهان و الثاني المناقضة في الإلزام.
أما البرهان فنقول لو قامت الحوادث بذات الباري سبحانه و تعالى لاتصف بها بعد أن لم يتصف، و لو اتصف لتغير و التغير دليل الحدوث إذ لا بدّ من مغير و تحقيق المقدمة الأولى أن معنى قيام الأعراض بمحالها كونها أوصافا لها كالعلم إذا قام بجوهر
[١] انظر: الملل و النحل للمصنف (١/ ١١١).