نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٧
فرق بين الصفات التي هي بحيث هو و بين ذلك القائم بذاته الذي ليس بحيث هو فيثبت له جهة ما ينحاز بها عنه و قد ورد السمع بأن تلك الجهة هي جهة فوق قال اللّه تعالى: وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: ١٨] فأثبتنا الجهة عقلا و أثبتنا الفوقية سمعا و استنبطنا من النص الوارد فيه معنى، و هو كون الفوق أشرف الجهات و أليق بكمال الصمدية و لهذا تعلقت القلوب بالسماء و رفعت الأيدي، و دلت عليها إشارة الخرساء و إليها كان معراج سيد الأنبياء [١].
و الجواب قلنا: هذه الشبهات كلها نشأت من اشتراك في لفظ القائم بالنفس، فإن عندنا يطلق هذا اللفظ في حق الباري سبحانه بمعنى أنه مستغن عن المحل و الحيز جميعا، و يطلق على الجوهر بمعنى أنه مستغن عن المحل فقط و المستغني على الإطلاق في مقابلة المحتاج إلى المحل، و المحتاج إلى الحيز فلننقل العبارة إلى هذه الجهة حتى يتبين أنكم جعلتم نفس النزاع دليلا متمسكين باشتراك في العبارة دون المعنى، و نقول قدرناه مستغنيا عن المحل و الحيز، و محتاجا إلى الحيز فيجب أن يكونا إما متجاورين أو متباينين محال تقديره، فإن التجاور و التباين من لوازم التحيز في المتحيزات فالمستغني عن التحيز كيف يكون إما متجاورا و إما متباينا هذا كمن يقول القائمان بأنفسهما إما أن يكونا مجتمعين أو مفترقين متحركين أو ساكنين قيل الاجتماع و الافتراق من لوازم التحيز و التحدد و لا حيز له سبحانه و لا حد و لا اجتماع و لا افتراق بل إذا فتش على المجاورة و المباينة لم يتحقق منه إلا نفس الاجتماع و الافتراق و ما جاور أو باين فقد تناهى ذاتا و المتناهي إذا اختص بمقدار استدعي مخصصا [٢].
و كذلك الجواب عن الدخول و الخروج فإنا نقول: ليس بداخل في العالم و لا خارج لأن الدخول و الخروج من لوازم المتحيزات و المحدودات و لهذا لا يطلقان على الأعراض، و هما كالاجتماع و الافتراق و الحركة و السكون و سائر الأعراض التي لا تختص بالأجرام التي لا حياة لها و لو قيل هو اللّه سبحانه داخل في العالم بمعنى العلم و القدرة و خارج عن العالم بمعنى التقدس و التنزيه كان معنى صحيحا كما ورد في التنزيل وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [الأنعام: ١٨]، و قد ورد وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٥]،
[١] انظر: المواقف للإيجي (٣/ ٣٢، ٣٧).
[٢] انظر: صفات الرب للواسطي (ص ٢٠).