نهاية الأقدام في علم الكلام - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم - الصفحة ٦٥
فإن قلتم: يجب الانحصار في هذا العدد كذلك نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عددا و بين مقدار في الذات حدا.
فإن قلتم: جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا الحد و العدد فيحتاج إلى مخصص حاصر.
و الجواب قلنا المقادير من حيث إنها مقادير طولا و عرضا و عمقا لا تختلف شاهدا و غائبا في تطرق الجواز العقلي إليها و استدعاء المخصص فإنا لو قدرنا مثل ذلك المقدار بعينه في الشاهد تطرق الجواز العقلي إليه و اختصاصه به دون مقدار آخر يستدعي المخصص و تطرق الجواز إلى الجائزات لا يتوقف على تقدير القدرة عليها بل معرفة ذلك بينة للعقل ضرورية حتى صار كثير من العقلاء إلى أن العقل نفسه عبارة عن علوم ضرورية هي معرفة الجواز في الجائزات و الاستحالة في المستحيلات و الوجوب في الواجبات و تقدير القدرة عليها إنما يحتاج إليها في ترجيح أحد الجائزين على الثاني لا في تصور نفس الجواز.
و هذه نكتة قد أغفلها كثير من أصحاب الكلام و أما الصفات و انحصارها في ثمان فقد اختلف الجواب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ العدد عليها فضلا عن الثمانية.
و قالوا قد دل الفعل بوقوعه على أن الفاعل قادر و باختصاصه ببعض الجائزات على أنه مريد و بإحكامه على أنه عالم و علم بالضرورة أن القضايا مختلفة و ورد في الشرع إطلاق العلم و القدرة و الإرادة و لا مدلول سواء ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه و لهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة أخرى اختلف الجواب عنه فقيل لا يتطرق الجواز إليه فإنا لم نثبت له الصفات بطريق التجويز العقلي بل بدليل الفعل و الفعل ما دل إلا على تلك الصفات و قيل يجوز عقلا إلا أن الشرع لم يرد به فيتوقف في ذلك و لا يضرنا الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف فينسب إلى المكلف تقصير و منها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء و بين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل بل هي له من غير سبب و المقادير المختلفة تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل فإن جعلها له بسبب و منها أنهم قالوا لو قدرنا صفة زائدة على الصفات الثمانية لم يخل الحال فيها إما أن تكون صفة مدح و كمال أو تكون صفة ذم و نقصان فإن كانت صفة كمال فعدمها في الحال نقص و قد اتصف الباري سبحانه بصفات الكمال من كل وجه و إن كان صفة نقصان فعدمها عنه واجب و إذا بطل القسمان تعين أنه لا يجوز أن